الشيخ عبد الغني النابلسي

51

كتاب الوجود

يعنى هم كلهم بفرقهم الثلاثة لا يعترفون بشئ معلوم أصلا لا قديما ولا حادثا ولا عبدا ليثبت به شئ مجهول ، وهذا حال هذه الفرق الثلاثة المسماة بالسوفسطائية . وقال التفتازاني أيضا : سوفسطا اسم للحكمة المموهة والعلم المزخرف ؛ لأن سوفا معناه العلم والحكمة و " اسطا " : معناه الزخرف والغلط ومنه اشتقت السفطة ، كما اشتقت الفلسفة من فيلا سوفا أي محب الحكمة . وذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أن السوفسطائية « 1 » لا يقولون بالمحسوس ولا المعقول ، ومعناه أنهم لا يثبتون موجودا أصلا لا قديما ولا حادثا ، وعبارته في التقسيم في بيان أهل الأهواء والنحل من كتابه المذكور قال : والتقسيم أيضا أن نقول من الناس من لا يقول بالمحسوس ولا بالمعقول وهم السوفسطائية ، ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية ، ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة الدهرية « 2 » ، ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام « 3 » ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الطائية ، ومنهم من يقول بهذه

--> ( 1 ) السوفسطائية : هم مبطلو الحقائق ، وتقدم الكلام على أصنافهم الثلاثة . وبعض المستشرقين يربط بين المنهج الجدلي عند المعتزلة وخاصة عند الجاحظ ، ومنهج السوفسطائيين اليونان ، ولكن المعتزلة لم يقولوا بالحقائق النسبية ، وإن كان الجاحظ قد استخدم منهجا يقرب من المنهج السوفسطائى في عرضه لبعض المسائل الأدبية . انظر موسوعة الفرق والجماعات ( ص 252 ) . ( 2 ) الدهرية : من فرق أهل الغلو نفوا الربوبية وجحدوا الصانع المدبر العالم القادر ، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ، ولم يزل الحيوان من نطفة والنطفة من الحيوان ، وكذلك كان ، وكذلك يكون أبدا . وهم ينكرون النبوة والبعث والحساب ، ويردون كل شيء إلى فعل الأفلاك ، ولا يعرفون الخير ولا الشر وإنما اللذة والمنفعة . المرجع السابق ( ص 225 ) . ( 3 ) والطبيعيون الدهريون : خلاف فلاسفة الدهريين والأولون يقولون بالمحسوس وينكرون المعقول ، بينما يقول الآخرون بالمحسوس والمعقول معا ، وينكرون الحدود والأحكام ، ويصفهم القرآن فيقول وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ( الجاثية / 24 ) المرجع السابق ( ص 225 ) .