الشيخ عبد الغني النابلسي
155
كتاب الوجود
الوجود المطلق جنسا مقارنا لنسبة الوجود عند العقل إلى الماهيات كلها فتكون تلك الماهيات المتصفة بالوجود فصولا لذلك الجنس الذي هو الوجود المطلق . وقد صرح المتكلمون بأن اتصاف الماهيات بالوجود إنما هو اعتبار عقلي ، ولا يزال ذلك حتى يتحقق العقل بالوجود المطلق الخاص ، فيظهر له أنه حقيقة محققة في الخارج ، متصفة في نظر العقل القاصر إلى كل ماهية خارجية وذهنية ، ويظهر أن ذلك الاعتبار الكلى العقلي المسمى بالوجود المطلق مفهوم شخص من شخصيات الوجود المطلق « 1 » الحق وأثر من آثاره ، فعند ذلك يعرف الإنسان خطأ العقل ، ويظهر له صحة النقل ، فيترك ذلك ويتمسك بالكتاب والسنة ، ويصير من أهل الجود الإلهى والمنة ، ويرجع عن وساوس الكلام ، ويتحقق بالتجليات الإلهية « 2 » والسلام . وأغرب من هذا كله أنه قال السعد أيضا في شرح المقاصد في مبحث الحلول والاتحاد : هاهنا مذهبان يوهمان : الحلول والاتحاد ، وليسا منه في شيء ، الأول أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللّه تعالى وفي اللّه تعالى ، يستغرق في بحور التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ، ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا اللّه . وهذا هو الذي يسمونه بالفناء « 3 » في التوحيد .
--> ( 1 ) يطلق ابن عربى على الممكن اسم الموجود ، ولكن لا ينعته أبدا بالوجود ، بل يجعله ثابتا في العدم ، وكما يقول : الممكن لم يشم رائحة الوجود ، إذن وحدته الوجودية ليست قائمة على رؤية الوحدة في كثرة المظاهر ، بل على نفى وجود الكثرة ، فالكثرة مشهورة معقولة غير موجودة . [ دراسة في التصرف الفلسفي الإسلامي ( 55 ) ، طبعة دار الحديث ] . ( 2 ) يرى النابلسي أن مفتاح وحدة الوجود يمكن في مفهوم الوجود الحقيقي ، فالممكن لا وجود له مستقل عن الحق ، إذن يحاول النابلسي أن يحل معضلة وحدة الوجود على مستوى مفهوم الوجود بتحديده بالحق دون الخلق . [ المرجع السابق ( 54 ) ] . ( 3 ) قال في لطائف المنن : « إن للّه عبادا محوا أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذواتهم بذواته ، وحملهم من أسراره ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه . . . فإذا أفناك عنك أبقاك به ، فالفناء دهليز البقاء . [ لطائف المنن ( 45 ) ] .