الشيخ عبد الغني النابلسي

156

كتاب الوجود

وإليه يشير الحديث الإلهي : « إن العبد لا يزال يتقرب إلى حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » « 1 » . وربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وبعد الكشف عنها بالمثال ، ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان ، واللّه الموفق . الثاني : أن الواجب هو الوجود المطلق ؛ وهو أحد لا كثرة فيه أصلا ، وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي بمنزلة الخيال والسراب ؛ إذ الكل في الحقيقة واحد يتكثر على مظاهر لا بطريق المخالطة ، ويتكرر في النواظر لا بطريق الانقسام ، ولا حلول فيهما ولا اتحاد لعدم الاثنينية « 2 » والغيرية ، وكلامهم في ذلك طويل خارج من طريق العقل والشرع ، أشرنا في بحث الوجود إلى بطلانه ، لكن من يضلل اللّه فما له من هاد » انتهى . وصدق في قوله على نفسه من يضلل اللّه فما له من هاد ، والذي أشار إليه في بحث الوجود هو ما قدمناه من الكلام ، ويا ليته في هذين المذهبين اللذين ذكرهما ، أضاف أحدهما إلى الآخر حتى تحقق منه الاعتراف ، ويحصل له الاعتراف وينفصل عن حكم البرهان إلى حكم العيان ، ويتخلص من مفهومه الكلى العقلي إلى معرفة الوجود المطلق الحقيقي النقلي ، فإن وجوده في الخارج أمر متحقق بلا ارتياب ، مقطوع بثبوته عند المهتدين من أولى الألباب ، وقوله بأن كلامهم في ذلك خارج عن طريق العقل والشرع مردود عليه بطريق العقل والشرع ؛ أما كونه مردودا عليه بطريق الشرع فقد أشرنا إليه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 243 ، 244 ) ، 81 - كتاب الرقاق ، 38 - باب التواضع ، رقم الحديث ( 6502 ) ؛ وابن ماجة ( 2 / 1320 ، 1321 ) ، 36 - كتاب الفتن ، 16 - باب من ترجى له السلامة من الفتن ، رقم الحديث ( 3989 ) ؛ والبيهقي في السنن الكبرى ( 3 / 346 ) ؛ والحاكم في مستدركه ( 4 / 328 ) . ( 2 ) قال في التصوف الفلسفي الإسلامي ( ص 36 ) : « يتبين أن ابن عربى وحدته الوجودية إنما تعنى إسقاط الاثنينية والكثرة في الوجود العيني ؛ إذ أن حضرة الجمع قد استوعبت كل شيء ، وألفت كل تفرقة ، بحيث تكون الأشياء في عين واحدة » .