الشيخ عبد الغني النابلسي

151

كتاب الوجود

وذكر الشعراني - رحمه اللّه تعالى - في كتابه ميزان الذرية ، قال : « وطرق العلم ثلاثة : الأولى : أن يكون الحق تعالى هو المعلم ، والثانية : أن يكون النظر الفكري هو المعلم ، الثالثة : أن يكون المعلم مخلوقاته مثله ، فصاحب الإلقاء الإلهى ملحق بمعلمه ، وصاحب النظر وما بعده ملحق بمعلمه من النظر أو المخلوق » ، ثم بسط الكلام في بيان نحو ما ذكرنا . ثم قال : « وحكى عن الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه أنه قال : عملت على الاطلاع على السبب الذي من أجله دخل الغلط على الفلاسفة ، فرأيت أن الغلط إنما دخل عليهم من التأويل ؛ فإنهم لا يأخذون إلا عن إدريس - عليه الصلاة والسلام - وهو معصوم بلا شك « 1 » في علمه باللّه تعالى وبأحكامه ، فدخل عليهم الغلط من قبل أنفسهم لا من قبل إدريس - عليه الصلاة والسلام - فإن علماءهم صاروا يؤولون كل شئ بلغهم مما تتوقف فيه عقولهم ، فاختلفوا في معناه كما اختلفت العلماء في الإسلام في تأويل كلام شريعتهم ، فأحل هذا شيء وحرمه الآخر ، على قدر فهمه » « 2 » انتهى . ثم الدليل على أن ذلك الجزء الخارجي الذي هو وجود الواجب عند المتكلمين أنه هو الوجود المطلق في اعتبار ترجيح جانب الشرع ، بيانه أن نقول إنهم حيث اعتبروا في تسميتهم له جزئيّا قيد وجوبه حتى يتميز عن بقية الجزئيات الممكنة ، فإن قيد وجوبه عندهم كناية عن كون وجوده من نفسه لا من غيره ، على معنى أن ذاته اقتضت وجوده ؛ أي هو موجود بنفسه لا بسبب من الأسباب ، فذلك القيد هو نفس الإطلاق في حقه تعالى عندنا ؛ حيث لم يعتبر فيه كون وجوده مستفادا من غيره ، فكأنهم قالوا إن وجود الواجب لا يشار به وجود الممكنات أصلا ، ولا بوجه من الوجوه ، ثم اعتبروا كونه أنه لا يشار به وجود شيء من

--> ( 1 ) العصمة للأنبياء فقط ، وليس للأولياء عصمة كما قال الشوكاني : « اعلم أن الأولياء اللّه غير الأنبياء ليسوا بمعصومين ، بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد اللّه المؤمنين » [ قطر الولي على حديث الولي ( 35 ) ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ] . ( 2 ) يقصد اختلاف الأئمة في الفروع ، ولنا كتاب اختلاف الأئمة لابن هبيرة ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية .