الشيخ عبد الغني النابلسي

152

كتاب الوجود

الأشياء قيدا له ، وما ذلك تقيد له إلا في اعتبار نظر العقل ؛ حيث غلبوا اعتبار جانب العقل ، وإلا فلو اعتبروا في ذلك تغليب جانب الشرع لوجدوا ما سموه قيدا هو نفس الإطلاق في حقه تعالى ، وبيان كون ذلك إطلاقا في حقه من جهة الشرع هو عين ما قاله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( الشورى : 11 ) ، وقال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( الإخلاص : 1 - 4 ) . فإن الوجود الذي لا يماثله شيء ، ولم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، لا شك أنه وجود مطلق بالنظر إلى وجود الأشياء التي يماثل بعضها بعضا ، وتلد وتولد ، ولها أكفاء من بعضها لبعض ، فإكفاء هذا الإطلاق الشرعي بالكلية والحكم عليه بأنه قيد لوجود الواجب بحيث صار الواجب باعتباره مقيدا حتى صار مماثلا لوجودات الأشياء المقيدة في اعتبار كونه مقيدا ، وصارت وجودات الأشياء كلها متساوية في كونها مقيدات بقيود مختلفة ، وفي دخولها تحت ذلك المفهوم الكلى العقلي المسمى بالوجود والمطلق عندهم ، إنما ذلك كله مصادمة للشرع ورد له ، ونصرة لاعتبار النظر العقلي على اعتبار النظر الشرعي ، وما ذلك من صنع أهل الإيمان . فإن قائل الوجود المطلق لا يكون إلا كليّا ، فلو كان واجب الوجود أيضا وجودا مطلقا لزم أن يكون كليّا فيلزم تعدد الكلى ، والكلى لا يتعدد ، قلنا : لا تعدد في الكلى أصلا ، فإن الكلى أمر اعتباري عقلي ، وإنما يطلق الكلى على الوجود المطلق باعتبار ما يفهم من لفظ الوجود المطلق من حيث كلية مفهوم هذا اللفظ في العقل لا في الخارج ، ويبقى الوجود المطلق اسما لموجود الواجب الذي في الخارج بالنسبة إلى وجودات الأشياء مقيد الواجب هو معنى قيد المطلق عندنا كما هو مقتضى الشرع ، فالوجود المطلق الخارجي موجود في الشرع وغير موجود في العقل ؛ لأن العقل يعتبر إطلاقه قيدا ، وتسمية الوجوب ليميزه عن قيود بقية الجزئيات وهي الإمكان ، والشرع هو الأحق أن يتبع دون العقل ، فالوجود المطلق له معنيان : أحدهما : هو المفهوم الكلى العقلي ، ولم يقل أحد من الناس أصلا بأنه هو واجب الوجود ، والثاني : أي الوجود المطلق الذي هو المراد هنا ، وهو الموجود في الخارج دون المفهوم الكلى العقلي لارتفع كل وجود ؛ لأن كل الوجودات مستفادة من وجوه ، ثم أنه ذكر على طريق الإيراد والتصميم منه على أن الوجود المطلق ليس هو إلا الكلى العقلي الذي لا وجود له في الخارج دون