الشيخ عبد الغني النابلسي
148
كتاب الوجود
وليست المعاني والمحسوسات هي الوجود الصرف ؛ فإن الوجود الصرف منزه عن جميع الصور والمعاني كما قال تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ( الإسراء : 44 ) ؛ أي يقدس ويتره ويباعد بين الوجود الصرف القيوم على كل شيء وبين مشابهة كل شيء له . قوله تعالى بعد ذلك : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ؛ أي لا تعرفون ذلك التسبيح ؛ لأنه حاصل بنفس ظهور الصور عن الوجود الصرف الحق . فالوجود الصرف الحق في حقيقة الأمر هو المسبح والمقدس نفسه بنفسه بإظهار الصور المحسوسة والمعقولة ، فكأنه - سبحانه وتعالى - قائل : لست كذا وكذا من كل صورة محسوسة ومعقولة تصدر عنه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي هي مراتب ذاته ، وعدم الفقه لذلك إنما نشأ من الغفلة والغرور ، يجعل الوجود صفة للأشياء على مقتضى النظر العقلي كما ذكرناه غير مرة ، فذلك إثم من أعظم الآثام ، وذنب من أكبر الذنوب كما أشار إليه قول القائل : وإن قلت ما ذنبي إليك أجبتني * وجودك ذنب لا يقاس به ذنب حتى نقل أن الجنيد « 1 » رضي اللّه عنه كان يعبد اللّه نحو ثلاثين سنة ولم يفتح عليه بشيء ، فسمع في يوم من الأيام قائلا ينشد هذا البيت ، فعمل بمقتضاه على نفى دعوى الوجود ، فوصل إلى اللّه تعالى . وليشير إلى كون دعوى الوجود ذنبا ؛ حيث اقتضت عدم فقه تسبيح الأشياء قوله تعالى بعد ذلك : إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( الإسراء : 40 ) ؛ يعني : يؤخر عقوبة من يشاء على ذلك إلى الآخرة ، أو يغفرها في الآخرة فلا يعاقبه بعنايته وتوفيقه ، فإن الحليم من يؤخر العقوبة ، والغفور من يترك العقوبة ولا يعاقب بها ، واللّه أعلم . وأحكم أن الوجود المطلق الذي ينكر أهل النظر من المتكلمين وجوده في الخارج ،
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته ومن أقواله أيضا : « علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح له أن يتكلم في علمنا » . ( تاريخ الإسلام وفيات ( 291 - 300 ؛ وذكره الشوكاني في كتاب قطر الولي على حديث الولي ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ( 40 ) .