الشيخ عبد الغني النابلسي
149
كتاب الوجود
ويقولون إنه وجود كلى عقلي ، لا وجود له في الخارج عن العقل إلا في ضمن جزئياته مثل بقية الكليات المعقولة ، وهو مشترك في الخارج بين وجودات الأشياء وبين وجود الواجب ، ويقولون إنه مقول على جزئياته الخارجية كلها بالتشكيك ؛ لأنها غير متساوية الأفراد في صدقه عليها ، لا ننكره نحن ولا غيرنا من العقلاء ؛ إذ هو مفهوم عقلي لا وجود له إلا في العقل ، وليس هو مرادنا بقولنا : إن وجود الواجب هو الوجود المطلق ، وإنما مرادنا إذ الذي سموه وجودا جزئيّا في الخارج من جزئياته الوجود المطلق الكلى العقلي هو عندنا الوجود المطلق في الشرع ، فقد اعتبر أهل النظر من المتكلمين فيه أنه جزء خارجي ، واعتبروا فيه قيد الوجوب كما اعتبروا في بقية الجزئيات الخارجية قيد الإمكان عقلا تغليبا لاعتبار العقل « 1 » على اعتبار الشرع ، ونحن غلبنا اعتبار الشرع على اعتبار العقل ، ونظرنا إلى جهة أنه وجود مطلق ، والمتكلمون إنما غلبوا اعتبار العقل على اعتبار الشرع ؛ تمسكا منهم بجانب العقل ، وترجيحا له على جانب الشرع ، ثم لم يقتنعوا بذلك حتى ردوا أبلغ الرد ، وشنعوا أشد التشنيع على من يغلب جانب الشرع وينظر بنظر الشرع دون نظر العقل من حكماء الفلاسفة الذين لا دين لهم ولا شرع عندهم ؛ ولكنهم طابقوا اعتبار جانب الشرع ، فكانوا فيما غلبوا من مطابقة جانب الشرع أحسن حالا من المتكلمين من أهل النظر عند من له إنصاف ومعقول ، وأما قول المحققين من الصوفية « 2 » بما قالت به الفلاسفة فهو قصد منهم لتغليب جانب الشرع على جانب العقل ؛ إذ هم الموصفون الكاملون ، فتمسكهم بالشرع واعتبارهم لجانبه دون جانب العقل هو دينهم القويم وصراطهم المستقيم ، ومع ذلك فإن الذي يشفع على اعتبار أن ذلك الوجود الجزء الخارجي الذي للواجب هو الوجود المطلق من غير جعل الوجوب قيدا له مشنع أيضا على المحققين من الصوفية
--> ( 1 ) قال ابن سينا : « العقل معان مجتمعة في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض » [ رسالة في الحدود ( 55 ) ] . ( 2 ) يرى ابن الصلاح أن المنطق هو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر والاشتغال به لم يبحه الشارع ولا الصحابة ولا التابعون ؛ إذ ليس بالأحكام الشرعية افتقار إلى المنطق أصلا ، أما ما يزعمه المنطقي من أمر الحد والبرهان فأشياء لا قيمة لها ، قد أغنى اللّه عنها كل صحيح الذهن . [ فتاوى ابن الصلاح ( 35 ) ] .