الشيخ عبد الغني النابلسي
147
كتاب الوجود
غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ باللّه منك لست ربنا . . . » « 1 » الحديث . وفيه كمال التغير عن عبادة الصور الباطنة أيضا والحكم بكفر عابدها ، لكن بطريق الإشارة الخفية التي لا ينبه إليها إلا الكامل من العارفين ، وكل هذا ملاطفة منه صلى اللّه عليه وسلم للأمة ؛ مخافة النفور عن توحيد اللّه تعالى وعبادته والرجوع إلى عبادة الصور الظاهرة ، فإن الدعوة إلى اللّه تعالى تحتاج إلى بصيرة قوية وحكمة عظيمة ، كما قال اللّه تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( يوسف : 108 ) ؛ أي شركا خفيّا بحسب الظن ، ولا شركا جليّا بحسب الظاهر ، ومراده صلى اللّه عليه وسلم أن من كان معه على بصيرة أيضا فهو كذلك ليس من المشركين . فإذا ثبت وتحقق أنه - عليه الصلاة والسلام - كان ينهى الأمة عن عبادة الصور في الظاهر بطريق التصريح ، وعن عبادة الصور في الباطن أيضا بطريق الإشارة والتلويح ، وما ذلك إلا لأن المعبود الحق - سبحانه وتعالى - منزه ومقدس عن جميع الصور التي في الظاهر ، والتي في الباطن ، فإذا انتفت عنه - جل جلاله - جميع الصور الحسية والمعقولات والموهومة والمتخيلة بكل وجه من الوجوه لزم أن يكون - سبحانه وتعالى - هو عين الوجود الحق ، وحقيقة الوجود الصرف الذي ظهرت به الصور كلها ، واتصفت عند العقل بالحكم بوقوع الوجود عليها ، وما ذلك الاتصاف في نفس الأمر إلا حقيقة التجلي والانكشاف التام ، وإلا فلو لم يكن الحق تعالى عين الوجود لكان صورة مثل بقية الصور المحسوسة أو المعقولة القائمة بالوجود ، وكان حادثا مشابها للحوادث ، وهو باطل محال في حق اللّه تعالى ، كما قال سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( الأنعام : 103 ) . وقال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( الشورى : 11 ) . ومن المعلوم أن الوجود الصرف الذي قامت به السماوات والأرض ، وقامت به جميع الصور المحسوسات والمعقولات لا تدركه الأبصار ولا البصائر ؛ لأن الأبصار والبصائر من جملة الصور القائمة به ، فلا تدرك إلا مثلها صورا من المعاني المحسوسات ،
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .