الشيخ عبد الغني النابلسي

146

كتاب الوجود

ولم يزل هذا الأمر في زمان الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين إلى يومنا هذا . وسكت صلى اللّه عليه وسلم عن عبادة الصدر في الباطن مخافة حصول التعطيل لضعف المؤمنين ، بل ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يحث الأمة ويحرضهم على الحضور والاستحضار ليحصل لهم الخشوع في صلاتهم وغيرها ، حتى ورد أنه كان يقول لهم : « إن اللّه في قلب أحدكم » ، وكان يقول لهم بمقتضى الحديث القدسي : « ما وسعني سماواتى وأرضى ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » مطابقة لما نزل به من القرآن في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ( الحديد : 4 ) . وقال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( ق : 16 ) . وقال تعالى في حق موسى وهارون : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( طه : 46 ) . وقال صلى اللّه عليه وسلم لصاحبه في الغار : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ( التوبة : 40 ) . وما ذلك كله إلا أذن من اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم للمؤمنين فيما يقع في قلوبهم من التصور في وقت استحضار وقت عظمة اللّه تعالى ، وكل هذا تأليف للقلوب وتطمئن لها حتى تنفر عن عبادة الصور الظاهرة من الأصنام والطواغيت وغير ذلك ، ويستقر عنها نفى الألوهية عن كل شيء له صورة في الظاهر ، ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم كان يشير إلى أن التغير عن عبادة الصور الباطنة أيضا أحيانا ؛ جذبا للعبد من حضيض الشرك الخفي إلى أوج التوحيد الحقيقي ، الذي كانت ثابتة عليه الكمل من أصحابه ، فكان يقول صلى اللّه عليه وسلم : « المصورون في النار » « 1 » ، « ولا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة » « 2 » . ولا شك أن القلب بيت الرب ؛ لأنه وسعه كما في الحديث السابق ، فهو الحرى بإخراج الصورة منه حتى يدخله الملك بتلك الصور الباطنة ، وقال صلى اللّه عليه وسلم في حديث التجلي في يوم القيامة الذي ذكرناه : « وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها ، فيأتيهم اللّه في

--> ( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه ( 5950 ) ، 77 - كتاب اللباس ، 89 - باب عذاب المصورين يوم القيامة ، عن عبد اللّه قال سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون » . ( 2 ) تقدم تخريجه قريبا .