الشيخ عبد الغني النابلسي

125

كتاب الوجود

وإذا لم تتصف الأشياء بالوجود فهو الباطن ، فهذه الأسماء الأربعة له تعالى باعتبار اتصاف الأشياء بالوجود وعدم اتصافها به ، لا بل هي أوصاف له تعالى أصلية ، لا باعتبار شيء أصلا ؛ وإنما تظهر عندنا بالاتصاف المذكور وعدمه ، فاللّه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن « 1 » في حال واحد لذاته ، ويتجلى على القلوب بأي اسم شاء متى شاء ، ويحتجب كذلك ، وليس له تعالى أول ولا آخر ، بل هو الأول والآخر ؛ لأنه قديم باق ، وليس له أيضا ظاهر ولا باطن ، بل هو الظاهر والباطن ؛ لأنه ليس مركبا ولا متجزئا ولا متبعضا ، وأما مخلوقاته سبحانه وتعالى ، وهي الممكنات كلها ، فلها أول وآخر ؛ لأنها حادثة فانية ، ولها ظاهر وباطن ؛ لأنها مركبة متجزئة متبعضة . فإن طرأ عليها الاتصاف بالوجود كان لها أولا ؛ لا أنها هي الأول لسبقه تعالى عليها بالاتصاف عندها بالوجود ، وإن زال عنها ذلك الاتصاف بالوجود كان لها آخر ، لا أنها هي الآخر « 2 » ؛ لأن الخلق لا ينقطع أبد الآبدين ، وإن أدركها المدرك حين اتصافها بالوجود فلها ظاهر ؛ لأنها هي الظاهر لقرآن وصف الظهور لها ، وإن لم يدركها المدرك ، حيث الاتصاف بالوجود ، فلها باطن لا أنها هي الباطن .

--> ( 1 ) قال النووي : أما معنى الظاهر من أسماء اللّه فقيل هو من الظهور بمعنى القهر والغلبة وكمال القدرة ، ومنه ظهر فلان على فلان ، وقيل : الظاهر بالدلائل القطعية ، والباطن احتجب عن خلقه ، وقيل : العالم بالخفيات . وأما تسميته سبحانه وتعالى بالآخر ، فقال الإمام أبو بكر بن الباقلاني : معناه الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل ، ويكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم . [ شرح مسلم للإمام النووي ( 17 / 30 ) ] . ( 2 ) قال النووي : احتجب المعتزلة بهذا الاسم ( أي الآخر ) ، فاحتجوا به لمذهبهم في فناء الأجسام وذهابها بالكلية ، قالوا : ومعناه الباقي بعد فناء خلقه . ومذهب أهل الحق خلاف ذلك ، وأن المراد الآخر بصفاته بعد ذهاب صفاتهم ، وبهذا يقال : آخر من بقي من بنى فلان فلان يراد حياته ولا يراد فناء أجسام موتاهم وعدمها ، هذا كلام ابن الباقلاني ( استكمالا لما تقدم قبل هذا ) . [ المرجع السابق : ( 17 / 30 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] .