الشيخ عبد الغني النابلسي

126

كتاب الوجود

فهو تعالى قابل بالاتصاف بالأضداد ، وليس له ضد سبحانه ، ومخلوقاته لا تقبل الاتصاف بالأضداد ؛ لأن لها أضداد ، فهو تعالى في حال كونها أولا لا تقبل أن تكون آخرا في حال كونها ظاهرة ، لا تقبل أن تكون باطنة ، واتصاف الأشياء بالوجود هو الإدراك العقلي والتكليف ، إنما ورد باعتبار الإدراك العقلي « 1 » في كون الوجود صفة للأشياء . ووردت الأحكام بذلك ، وتفصلت الشرائع كما قدمناه ، فوجب القول به على العموم ، وأن معناه إيجاد اللّه تعالى الأشياء وتكوينه لها المعلوم ذلك بالعقل والحس للعموم من الناس دون أهل الخصوص ، فإن عندهم تكوين اللّه تعالى للأشياء أزلي قديم ، بمعنى تقديرها لا إيجادها ؛ إذ الوجود كله عندهم حقيقة واحدة متميزة عن الأشياء ، وليس للأشياء عندهم اتصاف بها ؛ وكيف لا يكون الوجود وصفا للأشياء في نظر العقل ؟ « 2 » . وقد نسب الشرع للمكلفين أفعالا هي طاعات ، وأفعالا هي معاص ومخالفات ، ووعدهم بالثواب عليها في الآخرة ، وأوعدهم العقاب على ذلك أيضا في الآخرة ، فالشرائع والأحكام يجب قبولها والعمل بها على المكلفين ، والحقيقة والمعرفة الإلهية - كما ذكرناه - حق أيضا ، وليس لذلك حكم في الشرع غير الثناء الجميل والوصف بالكمال من غير تغيير ولا تبديل ، فالجزاء على ذلك مدخر عند أهل اللّه تعالى لا يعلم به أحد إلا هو . قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ .

--> ( 1 ) في معنى للعقل قال في العقل والوجود ليوسف كرم ( ص 4 ) : العقل قوة في الإنسان تدرك طوائف من المعارف اللامادية ، فيدرك العقل ماهيات الماديات ؛ أي كنهها لا ظاهرها ، ويدرك معاني عامة كالوجود والجوهر والعرض والعلية والمعلولية والغاية والوسيلة والخير والشر والفضيلة والرذيلة والحق والباطل ، كما يستدل بالمحسوس على المعقول ، أو بالمعلول البادى للحواس على العلة الخفية عليها . ( 2 ) قال أبو سليمان المنطقي حين سئل : لم استغنى في نهاية المعقول عن الحس ، ولم يستغن في نهاية الحس عن العقل ؟ فقال : لأن المعقول في نهاية حس ، والحس يحتاج إلى ما ارتفع إليه ، ولا بد من حس يبين به الخلق في العموم ، ولا بد من عقل يوصل به إلى الباري على الخصوص ، والحس زائد ، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه ، والعقل مستريد لكنه يستريد ممن هو دونه . [ أبو حيان التوحيدي في المقايسات ( 182 - 183 ) ] .