الشيخ عبد الغني النابلسي
117
كتاب الوجود
التمام والنقص ، فإن كانت تامة كانت إشارة إلى نزول الأشياء إلى العقول متصفة بصفة الوجود كما ذكرنا في إدراك العقول لذلك ، واللبس من الخلق الجديد المذكور في الآية الشريفة « 1 » ، وإن كانت ناقصة إشارة إلى التقدير فقط ، وهو الخلق الأول الذي قال تعالى فيه : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ( ق : 15 ) ، وقال تعالى : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( يوسف : 21 ) . فأمره يقتضى اتصاف الأشياء بالوجود على طريقة اللبس كما هو مقتضى إدراك العقل ، وغلبة اللّه تعالى على الأمر تقتضى نفى اتصاف الأشياء بالوجود وانكشاف جلية الحال في الخلق الأول القديم البعيد عن اللبس كما هو مشهد المحققين حسبما تذكره . وقال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ( الطلاق : 12 ) ، يعنى قدر ذلك كما ذكرناه في معنى الخلق . ثم قال تعالى : يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ، يعنى باتصاف الأشياء بصفة الوجود عند العقل على طريقة اللبس ؛ لتعلموا أن اللّه على كل شيء قدير ، وأن اللّه قد أحاط بكل شيء علما ، وهذه حكمة نزول الأمر باتصاف الأشياء بالوجود عند العقل ، لا حكمة معرفة اللّه تعالى من حيث هو الغيب المطلق ، فلو استقام العقل من اعوجاجه في الإدراك برجوع أمر اللّه إليه سبحانه لعرف اللّه بغلبة اللّه تعالى على أمره ، وزوال شمول قوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . فعلم أن الماهيات كلها تابعة للوجود ، قائمة به ، لا أن الوجود تابع لها قائم ، ولا يصلح في العقل المعتدى أن يكون الوجود صفة لشيء من الأشياء أصلا ؛ لأنه لو كان صفة لشيء لكان تابعا لذلك الشيء ، ومفتقرا إليه ، فإن الصفة تتبع الموصوف ، فتفتقر إليه في قيامها به ؛ إذ لا يكون صفة بغير موصوف ، ومن المعلوم أن كل شيء تابع
--> ( 1 ) لقوله تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( سورة ق : 15 ) . ( 2 ) تقدم شرحها قريبا ، وهي في سورة يوسف : 21 .