الشيخ عبد الغني النابلسي

118

كتاب الوجود

للوجود ومفتقر إليه ، فقائم به بمعنى أنه لولا الوجود لما كان ذلك الشيء ، فيلزم أن يكون كل واحد منهما مفتقرا إلى الآخر وتابعا له ومتوقفا عليه . فإن الصفة تتوقف على الموصوف في ثبوتها ؛ إذ لا قيام لها بنفسها ، والشيء موقوف على الوجود ؛ إذ لا قيام له إلا بالوجود ، فيلزم من ذلك توقف الشيء على نفسه بواسطة غيره ؛ وهو الدور المحال الذي ذكره علماء الكلام ، فبطل كون الوجود صفة للأشياء ، وثبت كون الأشياء قائمة بالوجود . وإذا كانت قائمة بالوجود يجوز أن تكون صفات للوجود من حيث تجليه وظهوره بها ، لا من حيث ما هو عليه في نفسه وكون الأشياء صفات للوجود بالمعنى الذي ذكرناه ؛ إنما هو بالنظر إلى إدراك العقل « 1 » بطريق الوهم الغالب عليه ، وإلا فلو تحقق العقل لوجد الأشياء على ما هي عليه من العدم الأصلي والوجود على ما هو عليه لم يتغير كل منهما عن حقيقته ، والعدم لا يكون وصفا للوجود كما أن الوجود لا يكون وصفا للعدم ، وهذا هو المراد بالفناء « 2 » في طريق السالكين وبالشهود بالعيان فإنه حيث ظهر الوجود للوجود ثبت العيان والشهود ، ولكن بعد اضمحلال الرسوم والحدود .

--> ( 1 ) العقل هو الوسيلة المشروعة في البحث عن الحقيقة ، وهو يبغى التنسيق والتوفيق بين المعارف المختلفة ، ويرفض العقل بطبيعته أن تنافى الحقيقة حقيقة أخرى ، خاصة عندما يكون قد اكتسب هذه الحقيقة بجهوده الطويلة والجبارة ، ويعتبر حقل الفلسفة الأرض التي اكتسبها العقل بجهوده الذاتية ، كما تعتبر الأفكار الفلسفية حصاد ما زرعه في أرض المعرفة طوال العصور والأزمان . ومسألة التوفيق بين الفلسفة والدين هي قضية العقل والإنسان في مواجهة الدين ، والفلسفة تقف موقفا تعليميّا ؛ فإن تعليم الدين يقتضى بالضرورة موقفا فلسفيّا . [ الفكر الفلسفي ( 87 ، 88 ) ] . ( 2 ) قال في لطائف المنن ، ( ص 45 ) ، طبعة دار المعارف : « إن للّه عبادا محو أفعالهم بأفعاله ، وأوصافهم بأوصافه ، وذواتهم بذواته ، وحملهم من أسرارهم ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه ، وهم الذين غرقوا في بحر الذات وتيار الصفات ، فهي إذا فناءات ثلاث : أن يفنيك عن أفعالك بأفعاله ، وعن أوصافك بأوصافه ، وعن ذاتك بذاته ، فإذا أفناك عنك أبقاك به ، فالفناء دهليز البقاء ، ومنه يدخل إليه ، فمن صدق فناؤه صدق بقاؤه ، ومن كان عما سوى اللّه فناؤه كان باللّه بقاؤه » .