الشيخ عبد الغني النابلسي
108
كتاب الوجود
واعتقادا في بطونها ، حتى أقول - مثلا - لم يكن مع موسى نعلان ، ولم يسمع الخطاب بقوله : « اخلع نعليك » حاشا للّه ، فإن إبطال الظواهر رأى الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء لأحد العالمين ، ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين ، ولم يفهموا وجهه ، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية « 1 » ، فالذي يجرد الظواهر حشوي ، والذي يجرد الباطن والذي يجمع بينهما كل ؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « للقرآن ظهر وبطن ، وحد ومطلع » . . . إلى آخر عبارته المبسوطة في ذلك « 2 » . ومن المعلوم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أوتى جوامع الكلم ، وأنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحى يوحى ، وأنه علم علم الأولين والآخرين ، فكلامه صلى اللّه عليه وسلم مع إفادته بالمفهوم الأول ما هو ظاهر لأهل اللسان وعلماء الظاهر ، يتضمن حكما وأسرارا يعلمها المحققون ، فللحديث ظهر وبطن كالقرآن ، كما نبه على ذلك حجة الإسلام في كتابه الإحياء ، ومشكاة الأنوار في حديث : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب وصورة » « 3 » .
--> ( 1 ) الحشوية طائفة من المبطلة المتشبهة بالملامتية من حيث عدم الرياء ، وينسب إليهم حب الجمع والاستكثار من الأسباب الدنيوية ، ويقنعون بطيبة القلب ، ويطلقون الحشو على الدين ، فإن الدين يتلقى من الكتاب والسنة هما حشو ؛ أي واسطة بين اللّه ورسوله وبين الناس . [ المعجم الصوفي ( 77 ) ، طبعة دار الرشاد ] . ( 2 ) تعتبر فلسفة الإمام الغزالي من أكمل الفلسفات فيما يختص بالخلق والوجود ، وما يتبع ذلك من بحث في العلل ؛ وهو الذي اقتحم هذا البحر العميق ، بحر المعارف والعلوم والأديان والملل والمذاهب والفرق الذي غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وهو يقول في كتابه المنقذ من الضلال إنه اقتحم لجة هذا البحر العميق ، وخاض غمرته خوض الجسور ، لا خوص الجبان الحنور . وقد تعرف على آراء المتكلمين والفلاسفة والباطنية وأهل الظاهر والصوفية والمتعبدين وحتى الزنادقة والمعطلة ، واطلع على آرائهم ، وكان الهدف الذي يسعى إليه هو العلم بحقائق الأمور . [ الفكر الفلسفي ( 92 ) ] . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 5949 ) 77 - كتاب اللباس ، 88 - باب التصاوير ، عن أبي طلحة ؛ ومسلم [ 102 - ( 2112 ) ] ، 37 - كتاب اللباس والزينة ، 26 - باب تحريم صور الحيوان ، عن أبي هريرة ؛ وأخرجه أبو داود ( 227 ) ، كتاب الطهارة ، 89 - باب في الجنب يؤخر الغسل ؛ والنسائي في الطهارة ، 168 - باب في الجنب إذا لم يتوضأ ، رقم الحديث ( 261 ) ، كلاهما -