الشيخ عبد الغني النابلسي
171
ديوان الحقائق ومجموع الرقائق
وإن تكن ترها قامت به ترها * تجليات له في كلّ معتقد نعم تنزّه عنها وهو في أزل * من قبل إظهارها بالمنزه الصّمد وهو المنزّه أيضا في الظهور بها * عن والد يقتضي منها وعن ولد لأنّها عدم وهو الوجود لها * وإن خلت عنه لم تبد ولم تعد ما الزهد عندي مقام إذ يدلّ على * قطع العوالم لي عن صاحب المدد « 1 » وكيف أزهد في الأشياء وهي به * كانت وكان بها أيضا إلى الأبد وقال رضي اللّه عنه : نهر القضاء بما يختار خالقنا * وما يريد هو الجاري إلى الأبد عليه طاحونة الأفلاك دائرة * وقطبها القطب سرّ الواحد الأحد « 2 » وما تولّد فيما بين طابقها ال * أعلى وطابقها الأدنى على الرّصد من الجماد وأنواع النبات وحي * وان تراه وإنسان بلا عدد مثل الحبوب بدت للطّحن مفرغة * شيئا فشيئا بحكم النفس والجسد فكلّما حبة قد جاء موعدها * أصابها الطحن لم تبد ولم تعد حتى تصير كما كانت مفرّقة إل * لا جزاء وهي لهذا الأمر طوع يد عناصر كدقيق ميّزته يد * بمنخل الرّتب المكسوبة الجدد حكم من الحاكم القهّار في أزل * بمقتضى ما قضى فيها من الأمد حتى يحوّل ذاك النهر عن جهة * يجري إلى جهة أخرى بذي المدد فيفرغ الطحن والطاحون تخرب من * هنا ويفسد مرأى هذه البلد ويظهر الأمر في دار الخلود بلا * نهاية عند ذي غيّ وذي رشد هناك ينكشف السرّ الذي خفيت * أنواره اليوم عن ذي الغفلة العند وقال رضي اللّه عنه : لنا طالع الغيب المقدّس يا سعد * فلا نحس بل أوقاتنا كلّها سعد وأفلاكنا دارت على حكم ربّنا * بما يقتضيه الحظّ والعيشة الرغد هي الشمس من أبراج أكوانها بدت * ولا برج في التحقيق إن هي لا تبدو
--> ( 1 ) الزهد : قال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها . ( للتوسّع انظر حديث القشيري عن مقام الزهد برسالته ص 115 - 119 ) . ( 2 ) الطاحونة : آلة الطحن .