الشيخ عبد الغني النابلسي

93

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فذلك القدر من الحياة السّارية في الأشياء يسمّى لا هوتا ، والنّاسوت هو المحلّ القائم به ذلك الرّوح فسمّي النّاسوت روحا بما قام به . فلمّا تمثّل الرّوح الأمين الّذي هو جبرئيل لمريم عليهما السّلام بشرا سويّا تخيّلت أنّه بشر يريد مواقعتها فاستعاذت باللّه منه استعاذة بجمعيّة منها ليخلّصها اللّه منه لما تعلم أنّ ذلك ممّا لا يجوز . فحصل لها حضور تامّ مع اللّه وهو الرّوح المعنويّ . فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على هذه الحالة لخرج عيسى عليه السّلام لا يطيقه أحد لشكاسة خلقه لحال أمّه . فلمّا قال لها : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ جئت لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [ مريم : 19 ] انبسطت عن ذلك القبض وانشرح صدرها فنفخ فيها في ذلك الحين فخرج عيسى . وكان جبرئيل ناقلا كلمة اللّه لمريم كما ينقل الرّسول كلام اللّه لأمّته . وهو قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ النساء : 171 ] . فذلك القدر من الحياة السارية من الروح في الأشياء يسمى لا هوتا فاللاهوت أثر الروح الساري فيما مسه من ذلك الشيء على حسب ذلك الشيء والناسوت هو المحل القائم به ذلك الروح من الأشياء المحسوسة بالروح وهو الجسم فيسمى الناسوت الذي هو الجسم روحا بما ، أي بسبب الروح الذي قام به لغلبته عليه واستهلاك حكم الناسوت فيه ، كما سمي ناسوت عيسى عليه السلام روحا باعتبار غلبة الروح عليه وسمي جبريل عليه السلام روحا في حال مجيئه إلى مريم في صورة البشر السوي . فلما تمثل ، أي دخل في عالم المثال وهو برزخ بين الوجود والعدم واسع جدا فيه صورة كل شيء لا تدخله إلا الروحانيون من الملائكة والجن والإنس ، فإذا دخلوه استتروا بأي صورة شاؤوا منه ، فيراهم الرائي فيها على حسب ما يريدون وهم على ما هم عليه في خلقتهم الأصلية لا يتغيرون أصلا ، نظير الملابس التي تلبسها الناس فتظهر بها من غير أن يتغير اللابس عن حاله الأصلي الروح الأمين الذي هو جبريل لمريم عليها السلام بشرا سويا ، أي مستوي الخلقة معتدل الهيئة حسن الصورة تخيلت ، أي مريم عليها السلام أنه ، أي جبريل عليه السلام . بشر من الناس ولم تعلم أنه ملك نزل في صورة إنسان وتوهمت أنه يريد