الشيخ عبد الغني النابلسي

94

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

مواقعتها عليها السلام . فاستعاذت باللّه تعالى منه ، أي التجأت إليه تعالى واحتمت به باطنا وقالت : ظاهرا أعوذ بالرحمن منك ، وخصت اسم الرحمن دون اسم اللّه ، لأنها طلبت أن اللّه تعالى يرحمها بالحفظ والصيانة من شره وأذاه استعاذة كانت بجمعية قلبية منها ، أي من مريم عليها السلام ، فتوجهت همتها من حضرة الرحمن المستوي على عرش قلبها بالرحمة ، فتحرك لسانها بذكره ليخلصها اللّه تعالى منه ، أي من ذلك البشر السوي لما تعلم ، أي لعلمها أن ذلك الأمر الذي توهمت منه مما لا يجوز في الشرع فيحصل لها عند ذلك حضور تام مع اللّه تعالى ، أي استحضار لقيوميته عليها وشهود لتجليه في باطنها وظاهرها فرارا من نفسها إليه سبحانه ليحميها ودخولا في ظل عنايته ليصونها ويريبها . وهو ، أي ذلك الحضور التام الروح المعنوي الذي سرى فيها من توجيه الروح السوي الذي هو جبريل عليه السلام إليها وتأثير باطنه فيها فلو نفخ ، أي جبريل عليه السلام فيها ، أي في مريم عليها السلام في ذلك الوقت على هذه الحالة التي كانت عليها مريم عليها السلام من القبض والجلال لخرج عيسى عليه السلام صاحب قبض وجلال بحيث لا يطيقه أحد من الناس لشكاسة ، أي صعوبة خلقه ، أي عادته وطبيعته لحال أمه مريم عليها السلام ، لأن أحوال الأمهات والآباء لها تأثير في أخلاق الأولاد في خلقتهم باطنا وظاهرا . فلما قال ، أي جبريل عليه السلام لها ، أي لمريم عليها السلام إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ علمت أنه جبريل عليه السلام ، ثم قال لها : جئت ، أي من عند اللّه تعالى إليك لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [ مريم : 19 ] ، أي طيبا طاهرا فعند ذلك انبسطت لقوله عن ذلك القبض الذي كان فيها وزال عنها الجلال الذي قد اعتراها وانشرح صدرها لما يريده اللّه تعالى منها فنفخ ، أي جبريل عليه السلام فيها ، أي في مريم عليها السلام في ذلك الحين فخرج عيسى عليه السلام مفعول نفخ ، لأنه عين النفخ الجبريلي والروح الأمري والسر الإلهي فكان جبريل عليه السلام ناقلا كلمة اللّه تعالى لمريم عليها السلام كما ينقل الرسول من الأنبياء عليهم السلام كلام اللّه تعالى القديم المنزه عن الحروف والأصوات لأمته ، أي أمة ذلك الرسول بلسانه هو وحروفه وأصواته ، فيتكلمون به هم بألسنتهم وحروفهم وأصواتهم من غير أن يتغير كلام اللّه تعالى القديم عما هو عليه في الأزل ، ولا ينقطع توجه ذلك القديم الذي هو صفة من صفات المتكلم به أزلا وأبدا عن ذلك العبد المتكلم به ، وعما أتى به من الحروف والأصوات ، بحيث تبقى تلك الحروف