الشيخ عبد الغني النابلسي
8
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وقلب يسع القديم كيف يحسّ بالمحدث موجودا » . ( ثم لتعلم ) أيها السالك ( أن الحق تعالى كما ثبت في ) الحديث ( الصحيح ) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما ذكرناه فيما مر « 1 » ( يتحوّل ) يوم القيامة ( في الصور ) المختلفة ( عند التجلي ) ، أي الانكشاف لأهل المحشر ( و ) لتعلم ( أن الحق تعالى إذا وسعه القلب ) العارف به ( لا يسع غيره من ) جميع ( المخلوقات ) ، لأنها كلها صور تجلياته سبحانه التي لا محيص للعارف عنها في حال رؤيته تعالى ، فهي من ضرورات التجليات الإلهية مع أنها عدم محض والوجود هو المشهود منها . ( فكأنه ) ، أي الحق تعالى ( يملأه ) ، أي القلب فكيفما توجه رأى صورة تجليه سبحانه كما قال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] . ( ومعنى هذا ) ، أي كون القلب لا يسع غير الحق تعالى ( أنه ) ، أي القلب ( إذا نظر إلى الحق ) تعالى ( عند تجليه ) ، أي انكشافه ( له ) بنوع من صور الانكشاف في الحس أو العقل ( لا يمكن ) القلب ( أن ينظر معه ) ، أي مع الحق تعالى ( إلى غيره ) ، أي غير الحق تعالى أصلا ، لأنه لا غير معه تعالى عند تجليه له ( وقلب العارف ) باللّه تعالى ( من ) جهة ( السعة كما ) ، أي كالوصف الذي ( قال أبو يزيد البسطامي ) قدس اللّه سره ( لو أن العرش ) العظيم الذي هو أكبر الأجسام ( وما حواه ) ، أي العرش من جميع العوالم المختلفة في الدنيا والآخرة ( مائة ألف ألف ) بالتكرار ( مرة ) وأكثر من ذلك ( في زاوية ) ، أي ناحية ( من زوايا ) ، أي نواحي ( قلب العارف ) باللّه تعالى ( ما أحس ) قلب العارف ( به ) ، أي بذلك العرش ومائة ألف ألف مرة مثله ، وذلك لأن القلب إذا عرف الحق تعالى ، وتحقق أنه الوجود المطلق الذي كل موجود بالنسبة إليه عدم صرف ، فكيف يدرك ما دام كذلك معدوما من الأشياء في الحس أو العقل ، إلا إذا غفل عن ذلك الوجود المطلق المذكور ، وفي حالة الغفلة ليس هو بعارف . ( وقال الجنيد ) البغدادي قدس اللّه سره ( في ) مثل ( هذا المعنى ) المذكور ( إن ) الشيء ( المحدث إذا قرن بالقديم ) ، أي اعتبر مقابلا له ومنسوبا إليه ( لم يبق له ) ، أي لذلك الشيء المحدث ( أثر ) ، ولا عين واضمحل بالكلية ، لأن الوجود الذي ذلك الشيء ظاهر به هو مقدار ما انكشف من وجود القديم سبحانه ، ولا وجود لذلك الشيء من نفسه أصلا . ( وقلب يسع القديم ) سبحانه من حيث رؤية نفسه ظاهرا بانكشاف نور وجوده
--> ( 1 ) والذي سبق تخريجه .