الشيخ عبد الغني النابلسي
75
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأما ما رويناه في الحديث النبوي مما أوحى اللّه تعالى به إليه ، أي عزير عليه السلام من قوله له زيادة في المعاتبة لئن لم تنته عن طلب ما سألته لأمحون اسمك ، أي أزيل حقيقتك من ديوان النبوّة وأوقفك في مقام الولاية أي أرفع عنك طريق الخبر بالوحي النبوي ، فلا أكشف لك عن الأمور على مقدار ما هي عليه في نفسها وأدرك إلى أن أفيض عليك الإمداد على قدر استعدادك وأعطيك الأمور الغيبية على طريق التجلي ، أي الانكشاف بحسب استعدادك وأقطع عنك الخبر بالوحي والتجلي بالأمور الغيبية لا يكون أبدا إلا بما أنت كائن عليه من الاستعداد الذي به يقع الإدراك منك الذوقي لذلك الأمر الذي تدركه فتعلم حينئذ أنك ما أدركت أمرا إلا بحسب استعدادك ، أي قوّتك القابلة ووسعك المتهيىء ، فتنال من كل أمر على قدرك لا على قدر ذلك الأمر في نفسه . فتنظر في هذا الأمر الذي طلبت وهو الاطلاع على سر القدر فلما لم تره وجد عندك مع توجهك على حصوله تعلم أنه ، أي الشأن ليس عندك الاستعداد ، أي التهيؤ والقبول للذي تطلبه من ذلك السر المذكور وتعلم أن ذلك من خصائص الذات الإلهية لا يقدر عليه غيره تعالى وقد علمت أن اللّه تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ من استعداده الخاص القابل لما تهيأ له من المدد الفياض الدائم بحكم قوله تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ . ولم يعطك سبحانه هذا الاستعداد الخاص لقبول فيض هذا الوسع المذكور للإحاطة بسر القدر الإلهي فما هو ، أي هذا الاستعداد خلقك ولو كان خلقك ثابتا في الأزل لعينك الثابتة قبل إضافة الوجود في حال العدم الأصلي لأعطاكه الحق تعالى الذي أخبر أنه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ولم يمنع شيئا ما استعد له وتهيأ لقبوله أصلا فتكون أنت الذي تنتهي عن مثل هذا السؤال المذكور انتهاء صادرا من نفسك لا تحتاج فيه ، أي في هذا الانتهاء إلى نهي إلهي يرد عليك وهذا الأمر الذي وقع للعزير عليه السلام عناية ، أي اعتناء من اللّه تعالى بالعزير عليه السلام علم ذلك المذكور من علمه من الناس وجهله من جهله منهم وهو حق في نفسه كما ذكر . * * * واعلم أنّ الولاية هي الفلك المحيط العامّ ، ولهذا لم تنقطع ، وله الإنباء العامّ . وأمّا نبوّة التّشريع والرّسالة فمنقطعة ، وفي محمّد صلى اللّه عليه وسلم قد انقطعت ، فلا نبيّ بعده مشرّعا أو مشرعا له ولا رسول وهو المشرّع .