الشيخ عبد الغني النابلسي
76
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وهذا الحديث قصم ظهور أولياء اللّه لأنّه يتضمّن انقطاع ذوق العبوديّة الكاملة التّامّة فلا ينطلق عليه اسمها الخاصّ بها فإنّ العبد يريد أن لا يشارك سيّده - وهو اللّه - في اسم ؛ واللّه لم يتسمّ بنبيّ ولا رسول ، وتسمّى بالوليّ واتّصف بهذا الاسم فقال : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 258 ] وقال : وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [ الشورى : 28 ] وهذا الاسم باق جار على عباد اللّه دنيا وآخرة . فلم يبق اسم يختصّ به العبد دون الحقّ بانقطاع النّبوّة والرّسالة . إلّا أنّ اللّه لطيف بعباده فأبقى لهم النّبوّة العامّة الّتي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التّشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام . وأبقى لهم الوراثة في التّشريع فقال : « العلماء ورثة الأنبياء » وما ثمّة ميراث في ذلك إلّا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه . واعلم يا أيها السالك أن دائرة الولاية هي الفلك المحيط العام فهي شاملة للأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، فإنهم أولياء كما أنهم أنبياء ولهذا لم تنقطع ، أي الولاية إلى يوم القيامة ، لأنها الميراث الذي تركته الأنبياء عليهم السلام من بعدهم ، فلم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم وهو الولاية ، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ أوفر ولها ، أي للولاية الإنباء ، أي الإخبار بطريق التجلي الإلهي على مقدار الاستعداد في الأمور كلها العام ذلك الإنباء في النبي وغيره . وأما نبوّة التشريع للأحكام والرسالة من اللّه تعالى إلى الأمّة فمنقطعة لا تكون في كل زمان كنبوّة الولاية ، لأن نبوّة الولاية عامة ونبوّة التشريع والرسالة خاصة ، والعام يبقى ببقاء أفراده وهم باقون إلى يوم القيامة ، والخاص يذهب بذهاب أفراده وفي نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم قد انقطعت النبوة التي هي نبوة التشريع والرسالة فلا نبي بعده إلى يوم القيامة يعني نبيا مشرعا للأحكام على الاستقلال بشرع جديد أو نبيا مشرعا له ، أي محمد صلى اللّه عليه وسلم بأن يكون نبيا جاء مقررا لشريعة محمد عليه السلام كما كانت أنبياء بني إسرائيل يقررون شريعة موسى عليه السلام ولا رسول بعده أيضا وهو الرسول المشرع للأحكام الإلهية . وهذا الحديث « 1 » في انقطاع نبوّة التشريع والرسالة قصم ، أي قطع ظهور
--> ( 1 ) قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا نبي بعدي » . جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه ، في أبواب عدة منها : با وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ، حديث رقم ( 1842 ) [ 3 / 1471 ] ورواه البخاري في صحيحه ، باب ما ذكر عن نبي إسرائيل ، حديث رقم ( 3268 ) [ 3 / 1273 ] رواه غيرهما .