الشيخ عبد الغني النابلسي

72

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فسأل ، أي عزير عليه السلام بما وقع منه مما ذكر عن سر القدر الإلهي الذي لا يدرك من طريق الأنبياء والأخبار إلا بالكشف الذوقي للأشياء المحسوسة والمعقولة والموهومة في حال ثبوتها في عدمها الأصلي من غير وجود لها فما أعطي ، أي ما أعطاه اللّه تعالى ذلك وإنما أماته عام فأرجع نفسه إلى عينها الثابتة في عدمها الأصلي ، ثم أعادها كما كانت فذاقت كيفية ذلك ولم تكشف عن عينها الثابتة في العدم كيف هي وكيف أحوالها فإن ذلك الكشف المذكور من خصائص الاطلاع الإلهي بالعلم القديم فمن المحال عقلا وشرعا أن يعلمه ، أي ذلك الكشف عن الأعيان الثابتة على ما هي عليه كلها إلا هو سبحانه . فإنها أي تلك الأشياء الثابتة والأعيان العدمية الممكنة هي المفاتيح الأول أعني مفاتيح الغيب وهو الوجود الذاتي المطلق كما قال تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] ، أي باللّه تعالى الغائب عنهم ، لأن الوجود المطلق القديم فلا ينفتح فيظهر إلا بالمفاتيح المذكورة التي لا يعلمها كلها إلا هو تعالى بحكم قوله سبحانه : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] وقد يطلع اللّه تعالى بطريق الكشف من يشاء من عباده الأنبياء والأولياء بالورثة عن الأنبياء على بعض الأمور من ذلك السر الذي للقدر الإلهي في بعض الأحوال دون بعض ولا يعلم ذلك على التفصيل إلا اللّه تعالى . قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 72 ] الآية . وقال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . * * * واعلم أنّها لا تسمّى مفاتح إلّا في حال الفتح ، وحال الفتح هو حال تعلّق التّكوين بالأشياء ؛ أو قل إن شئت : حال تعلّق القدرة بالمقدور ولا ذوق لغير اللّه في ذلك . فلا يقع فيها تجلّ ولا كشف ، إذ لا قدرة ولا فعل إلّا للّه خاصّة ، إذ له الوجود المطلق الّذي لا يتقيّد . فلمّا رأينا عتب الحقّ له عليه السّلام في سؤاله في القدر علمنا أنّه طلب هذا الاطّلاع ، فطلب أن تكون له قدرة تتعلّق بالمقدور ، وما يقتضي ذلك إلّا من له الوجود المطلق .