الشيخ عبد الغني النابلسي
55
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
أحبه ومن لم يحبه بحكم قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] ، أي تدل والموصل إلى ذلك هو اللّه تعالى . ولو كان للهمة القلبية أثر فيما يريد صاحبها ولا بد ، أي بطريق اللزوم لم يكن أحد أكمل فيها من رسوله صلى اللّه عليه وسلم ولا أحد أعلى والأقوى همة قلبية منه عليه السلام ومع ذلك ما أثرت همته صلى اللّه عليه وسلم في حصول إسلام أبي طالب عمّه أخ أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم حين دخل عليه في مرض موته وقال له : يا عماه قل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فامتنع ، فأدنى إليه أذنه وقال له : قلها ولو في أذني ، فأبى ومات على دين الأشياخ من قريش وفيه ، أي في أمر أبي طالب نزلت هذه الآية التي ذكرناها وهي قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] . ولذلك ، أي لأجل ما ذكر قال اللّه تعالى في حق الرسول أنه ما عليه إلا البلاغ ، أي إيصال الحق إلى الناس لا قبولهم له كما قال تعالى : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [ النور : 54 ] . وقال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ يا أيها الرسول هُداهُمْ ، أي هدايتهم وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] وزاد اللّه تعالى في آية : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ في سورة القصص قوله تعالى : وَهُوَ ، أي اللّه تعالى أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي [ القصص : 56 ] أعلم بالذين أعطوه العلم بهدايتهم من الأزل حين كشف عنهم بعلمه القديم وهم في حال عدمهم الأصلي بأعيانهم متعلق بأعطوه ، أي حقائقهم الثابتة غير المنفية بلا وجود فأثبت سبحانه بمقتضى هذه الآية أن العلم الإلهي الكاشف في الأزل عن كل شيء تابع للمعلوم المكشوف عنه على حسب ما هو عليه ذلك المعلوم في عينه الثابتة في العدم من دون وجود . * * * فمن كان مؤمنا في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصّورة في حال وجوده ، وقد علم اللّه ذلك منه أنّه هكذا يكون ، فلذلك قال : وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فلمّا قال مثل هذا قال أيضا : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ لأنّ قولي على حدّ علمي في خلقي وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 29 ] أي ما قدّرت عليهم الكفر الّذي يشقيهم ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّا بحسب ما علمناهم ، وما علمناهم إلّا بما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه ، فإن كان ظلما فهم الظّالمون . ولذلك قال : وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ