الشيخ عبد الغني النابلسي
56
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
يَظْلِمُونَ [ الأعراف : 160 ] فما ظلمهم اللّه ، كذلك ما قلنا لهم إلّا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم ؛ وذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا ، ولا نقول كذا ، فما قلنا إلّا ما علمنا أنّا نقول فلنا القول منّا . ولهم الامتثال وعدم الامتثال مع السّماع منهم . فالكلّ منّا ومنهم * والأخذ عنّا وعنهم إن لا يكونوا منا * فنحن لا شك منهم فتحقّق يا وليّ هذه الحكمة الملكيّة من الكلمة اللّوطيّة فإنّها لباب المعرفة . فقد بان لك السّرّ * وقد اتّضح الأمر وقد أدرج في الشّفع * الّذي قيل هو الوتر فمن كان في الأزل مؤمنا في حال ثبوت عينه ، أي حقيقته ثبوتا هو ضد النفي لا بمعنى الوجود وفي حال عدمه الأصلي ظهر ذلك الثابت بتلك الصورة التي هي الإيمان في حال وجوده المستفاد من تجلي الحق تعالى عليه في حضرة سمعه وبصره وقد علم اللّه تعالى ذلك الوصف الذي هو ثابت فيه منه في الأزل أنه هكذا ، أي على الوصف المذكور يكون ، أي يوجد ، وكذلك من كان في الأزل كافرا أو فاسقا أو جاهلا أو مبتدعا وغير ذلك في حال ثبوت عينه ، يعلم اللّه تعالى منه ذلك فلا يوجد إلا كذلك . فلذلك ، أي لأجل ما ذكر قال تعالى وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ القصص : 56 ] فلما قال سبحانه مثل هذا المقول المذكور قال تعالى أيضا ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] ، أي عندي لأن قولي حق على حد علمي ، أي تابع لعلمي في خلقي فلا أقول إلا ما أعلم ، ولا أعلم إلا ما الأمر عليه ثابت في نفسه ، ويستحيل غير ذلك وَما أَنَا بِظَلَّامٍ ، أي منسوب إلى الظلم كما يقال لحام وسمان منسوبان إلى اللحم والسّمن ، لا أنه صيغة مبالغة حتى يلزم منه محذور بأن المنفي المبالغة في الظلم لا مطلق الظلم ، فيقتضي ثبوت شيء من الظلم له تعالى لِلْعَبِيدِ أي ما قدرت في الأزل عليهم ، أي على بعض العبيد الكفر الذي يشقيهم بمخالفتم أمري ثم طالبتهم في الدنيا بما ليس في وسعهم أي طاقتهم وقدرتهم أن يأتوا به من الإيمان والطاعة بل ما عاملناهم في الأزل حين قدّرنا عليهم الشقاوة في الدنيا حين كلفناهم بعد أن خلقناهم إلا بحسب ما علمناهم عليه من الأوصاف في حال ثبوتهم في عدمهم الأصلي وما علمناهم كذلك في الأزل إلا بما أعطونا من