الشيخ عبد الغني النابلسي
54
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وقوله تعالى : * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) [ الأعراف : 117 ] ، وقال تعالى : وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً [ طه : 77 ] ، وهكذا كل الأنبياء عليهم السلام في ظهورهم بالآيات والمعجزات ، إما عن أمر في الظاهر أو في الباطن لأن للرسول كمال الشفقة والرأفة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجة ، أي حجة اللّه تعالى عليهم ، فإن ذلك هلاكهم سريعا فيبقى عليهم من بعض الالتباس لينفذ تقرير اللّه تعالى بالتكذيب عن شائبة عذر منهم ، فيخف الغضب الإلهي المتوجه على المكذبين . وقد علم الرسول عليه السلام أيضا أن الأمر المعجز إذا ظهر على يده للجماعة من أمته لا يجتمعون كلهم على الإيمان والتصديق بمقتضى ذلك ، ولكن تختلف أحوالهم فمنهم من يؤمن بالحق حيث ظهر عند ذلك ويصدق به ومنهم من يعرفه ، أي الحق ويجحده ، أي ينكره ولا يظهر التصديق به ظلما منه للحق ولأهله وعلوا ، أي تكبرا على الحق أن يقبله من غيره وحسدا من نفسه لمن ظهر الحق على يده ومنهم من يلحق ذلك الأمر المعجز حيث ظهر بالسحر والإيهام ، أي الشعبذة والزخرفة الباطلة عنادا مع الحق وكفرا به . فلما رأت الرسل عليهم السلام ذلك الاختلاف الذي يقع من أممهم عند ظهور الأمر المعجز على يدهم وأنه لا يؤمن بالحق عند ظهوره إلا من أنار اللّه تعالى قلبه بنور الإيمان الذي يقع فيه فيتسع لكل ما جاء به ذلك الرسول ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمى إيمانا ولم يتسع به صدره بل ضاق وانحصر بحكم الطبع والعادة فلا ينفع في حقه ذلك الأمر المعجز من الرسول الذي أتى بذلك . فقصرت بسبب ذلك الهمم من الرسل عليهم السلام عن طلب الأمور المعجزة الخارقة للعادة من اللّه تعالى على صدقهم لما علموا أنه لما لم يعم أثرها في تحصيل الإيمان الناظرين إليها كلهم في ظواهرهم ولا في قلوبهم بل خص البعض دون البعض كما قال اللّه تعالى في حق أكمل الرسل كلهم عليهم السلام وأعلم الخلق باللّه تعالى وأصدقهم ، أي الخلق في الحال محمد رسولنا صلى اللّه عليه وسلم إِنَّكَ يا محمد لا تَهْدِي إلى دين اللّه تعالى مَنْ أَحْبَبْتَ من الناس والأقارب والأجانب ، ولو جئت بالأمور الخارقة للعادة وَلكِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى هو الذي يَهْدِي إلى دينه الحق والصراط المستقيم مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] من عباده . وهذه الهداية بمعنى الإيصال لا الدلالة فإنه صلى اللّه عليه وسلم دل من