الشيخ عبد الغني النابلسي
53
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
التصرف في المرسل إليهم من الآية لقبول الرسالة منه عن اللّه تعالى التي جاء بها إليهم فيظهر عليه ما يصدق عند أمته وقومه ، من خوارق العادات والتأثير بالهمة في إظهار الآيات والمعجزات ليظهر بذلك دين اللّه تعالى الحق عند المنكرين له المكذبين . * * * والولي ليس كذلك ، ومع هذا فلا يطلبه الرّسول في الظّاهر لأنّ للرّسول الشّفقة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجّة عليهم ، فإنّ في ذلك هلاكهم فيبقي عليهم . وقد علم الرّسول أيضا أنّ الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة فمنهم من يؤمن عند ذلك ومنهم من يعرفه ويجحده ولا يظهر التّصديق به ظلما وعلوا وحسدا ومنهم من يلحق ذلك بالسّحر والإيهام . فلمّا رأت الرّسل ذلك وأنّه لا يؤمن إلّا من أنار اللّه قلبه بنور الإيمان ، ومتى لم ينظر الشّخص بذلك النّور المسمّى إيمانا فلا ينفع في حقّه الأمر المعجز فقصرت الهمم عن طلب الأمور المعجزة لما لم يعمّ أثرها في النّاظرين ولا في قلوبهم . كما قال في حقّ أكمل الرّسل وأعلم الخلق وأصدقهم في الحال إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] ولو كان للهمّة أثر ولا بد ، لم يكن أحد أكمل من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أعلى وأقوى همّة منه ، وما أثّرت في إسلام أبي طالب عمّه ، وفيه نزلت الآية الّتي ذكرناها ولذلك قال في الرّسول إنّه ما عليه إلّا البلاغ ، وقال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] . وزاد في سورة القصص : وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ القصص : 56 ] أي بالّذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة فأثبت أنّ العلم تابع للمعلوم . والولي الكامل المعرفة باللّه تعالى ليس كذلك ، أي مقام ولايته لا يقتضي ذلك لتقرر الدين وظهور حجة اللّه تعالى به على الناس ومع هذا المذكور فلا يطلبه ، أي التصرف الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الظاهر إلا عن أمر إلهي يقتضي منه ذلك كقوله تعالى في حق موسى عليه السلام : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ [ البقرة : 60 ] الآية .