الشيخ عبد الغني النابلسي
52
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
قال أبو السّعود لأصحابه المؤمنين به إنّ اللّه أعطاني التّصرّف منذ خمس عشرة سنة وتركناه تظرّفا هذا لسان ادلال . وأمّا نحن فما تركناه تظرّفا - وهو تركه إيثارا - وإنّما تركناه لكمال المعرفة ، فإنّ المعرفة لا تقتضيه بحكم الاختيار . فمتى تصرّف العارف بالهمّة في العالم فعن أمر إلهيّ وجبر لا باختيار ، ولا نشكّ أنّ مقام الرّسالة يطلب التّصرّف لقبول الرّسالة الّتي جاء بها ، فيظهر عليه ما يصدّقه عند أمّته وقومه ليظهر دين اللّه . قال الشيخ أبو السعود بن الشبلي المتقدم ذكره رضي اللّه عنه لأصحابه ، أي تلامذته المؤمنين به ، أي المصدقين بشرف مقامه دون المنكرين عليه ، فإنه يزيدهم إنكارا بصدقه لهم في مقاله . قال تعالى : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [ آل عمران : 73 ] ، إن اللّه أعطاني التصرف في كل ما أريد من الأكوان منذ خمسة عشر سنة ، أي خيرني في التصرف والامتناع منه إذ لو كان مأمورا بالتصرف أو ممنوعا منه بلا تخيير ما ساغ له المخالفة بمقتضى مقام المتابعة ومع ذلك تركناه ، أي التصرف ، أي اختار تركه تظرفا ، أي طلبا للحالة الحسنة الظريفة عند كل أحد وهي أن لا يظهر بقهر النفوس وإذلال الرجال هذا القول منه رضي اللّه عنه لسان إدلال على اللّه تعالى ، لأنه مقتضى حال المحبوبية للحق تعالى . وأما نحن وهو قول المصنف الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه فما تركناه ، أي التصرف بعد أن خيرنا الحق تعالى فيه بمقتضى إيصالنا إليه تظرفا كما تركه الشيخ أبو السعود المذكور وهو ، أي معنى تركه تظرفا تركه إيثارا ، أي تقديما للحق تعالى على نفسه لأنه أحق به حيث لا يليق بسواه ، لهذا تقبله النفوس منه تعالى لحسنه منه ، ولا تقبله من غيره سبحانه لعدم حسنه من الغير . وإنما تركناه ، أي التصرف لكمال المعرفة باللّه تعالى فإن المعرفة الكاملة لا تقتضيه ، أي التصرف بحكم الاختيار ، والإرادة النفسانية إذا خير فيه العارف من غير جزم فمتى تصرف العارف بالهمة في العالم ، أي المخلوقات ، ورأينا ذلك منه مع كمال المعرفة الإلهية فيه فعن أمر إلهي له بذلك التصرف وجبر ، أي إلزام عليه به من جهة الحق تعالى لا باختيار وإرادة نفسانية منه بذلك أصلا ، لأن كمال المعرفة باللّه تعالى لا يعطي غير كمال المتابعة والانقياد للّه تعالى في الظاهر والباطن . ولا نشك ، أي نقول قطعا من غير تردد أن مقام الرسالة النبوية يطلب