الشيخ عبد الغني النابلسي

51

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

سبق ذكره من الوجهين المتقدمين ونحوهما وكذلك كان الأمر مع كون أبي مدين رضي اللّه عنه كان عنده ذلك المقام الذي للأبدال من أهل اللّه تعالى وغيره أيضا من المقامات وقال المصنف رضي اللّه تعالى عنه لأنه في مقام الفردية ونحن أتم ، أي أكمل في مقام الضعف والعجز عن كل شيء منه ، أي من الشيخ أبي مدين رضي اللّه عنه ومع هذا الضعف والعجز الذي فيه أقل من ضعفنا وعجزنا قال له هذا البدل المذكور بواسطة الشيخ عبد الرزاق ما قال فكيف قولنا في حقنا فهو بالأولى . وهذا الأمر المذكور عن أبي مدين من ذلك القبيل أيضا ، أي هو مما يجاب به عن عدم تأثير الهمة من العارف الكامل . وقال نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم في هذا المقام الذي يعجز فيه العارف الكامل عن تأثير همته في كل شيء عن أمر اللّه تعالى له بذلك القول قل ما أدري ما يفعل بي ، أي يفعل اللّه تعالى بقدرته ما يشاء ولا ما يفعل ما يشاء بكم وهذا أمر من عدم تأثير همته ومن تحققه بمقام العجز لكمال معرفته باللّه تعالى إن ، أي ما اتبع في جميع أحوالي إلا ما ، أي الذي يوحى ، أي يوحيه اللّه تعالى إليّ بواسطة الملك أو بدون ذلك فالرسول صلى اللّه عليه وسلم قائم في جميع أموره ظاهرا وباطنا بحكم ما يوحى إليه به من كل ما يريده اللّه تعالى ما عنده غير ذلك ، أي مجرد التبعية دون الاستقلال في شيء أصلا . فإن أوحي إليه من قبل الحق تعالى بالتصرف في أمر من الأمور بجزم من غير تخيير ولا إحالة على مشيئة تصرف في ذلك الأمر الذي أمر به لا يمكنه مخالفة أمر اللّه تعالى بكمال اتباعه صلى اللّه عليه وسلم وانقياده لإرادة ربه وإن منع عليه السلام ، أي منعه ربه عن مفارقة أمر امتنع عن ذلك الكمال التبعية أيضا فيه وإن خيّر ، أي خيره اللّه تعالى بين التصرف وعدمه كما ورد أن ملك الجبال أتاه فخيره عن أمر اللّه تعالى بين أن يطبق الأخشبين الجبلين في مكة على أهلها حين لم يؤمنوا وآذوه صلى اللّه عليه وسلم فأبى عليه السلام اختار ترك التصرف في شيء عن أمر نفسه ، وأوكل كل الأمور كلها إلى اللّه تعالى يتصرف فيها كيف يشاء وقال : وأفوّض أمري إلى اللّه إن اللّه بصير بالعباد إلا أن يكون ذلك العارف ناقص المعرفة باللّه تعالى فيكون من أهل غلبة الأحوال لا من أهل الرسوخ في المقامات فيغلب عليه حاله فيتحكم في العالم بهمته ، ويسلط جمعيته التامة من غير فرق على كل ما يريد ، فتنفعل له الأشياء . * * *