الشيخ عبد الغني النابلسي

464

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

المعرفة باللّه تعالى : هي أن تعرف أنه تعالى مطلق لا صورة له في الحس ولا في العقل والخيال أصلا ، ولكن العارف به هو الذي يكشف عما في حسه وعقله وخياله ، فيرى الحق تعالى المطلق ظاهرا له بحسب استعداده في الحس والعقل والخيال في جميع تلك الصور ظهورا باعتبار الرائي والمرئي ، لأن المرئي على ما هو عليه لم يتغير ، والرائي يتغير بالأطوار والأحوال ، فتتنوع عليه المعرفة ، ويختلف عليه تجلي المعروف الحق سبحانه على الأبد في الدنيا والآخرة . فالماء من حيث هو ماء مطلقا لا لون له أصلا ولا صورة له ، ومن حيث هو في الأواني المختلفة فلونه لون الإناء وصورته صورة الإناء ، ولا تفهم الحلول في هذا المثال ، فإن الأواني لها وجود في نفسها مع الماء المتلون بألوانها ، وليس وجود الأواني تابعا لوجود الماء بحيث يكون صادرا عنه ، بل كل واحد من الماء والأواني موجود بوجود آخر مستقل ، واللّه تعالى الموجود الحق بوجود مستقل يستحيل عقلا وشرعا أن يكون معه شيء آخر غيره من محسوس أو معقول أو موهوم ، موجود أيضا مثله بوجود آخر مستقل غير تابع له تعالى في الإيجاد حتى يلزم ما يفهم القاصر من الحلول في هذا المثال ، فإن الماء حل في الإناء ، لأن الإناء له وجود مستقل ليس صادرا عن توجه قدرة الماء ، ولأجل هذا ثبت الحلول في كون الماء في الإناء . وأما جميع المخلوقات الصادرة عن قدرة اللّه تعالى وتوجه أمره القديم الواحد سبحانه ، فإنها لا وجود لها من نفسها أصلا ، وإلا لاستغنت عن اللّه تعالى وقامت بنفسها وبطل وصف القيومية للّه تعالى ، وذلك ممتنع لثبوت القيومية له تعالى في الشرع ، فكما أنه تعالى خالق لكل شيء ، فهو قيوم على كل شيء ، فكل شيء لولا توجه أمر اللّه تعالى عليه في كل طرفة عين بالإيجاد لما وجد ، فكل شيء موجود بإيجاد اللّه تعالى على الدوام في الكليات والجزئيات ، والأشياء كلها في أنفسها مع قطع النظر عن إيجاد اللّه تعالى لها معدومة بالعدم الأصلي ، لا وجود لها ولا شمت رائحة الوجود أصلا ، ثم إنك إذا اعتبرتها كذلك معدومة بالعدم الأصلي ، وأردت أن تعرف كيف أوجدها اللّه تعالى ، فاعتبر أنها أواني مقدرة مختلفة ، وأن وجود الحق تعالى الواحد المطلق بإطلاقه الحقيقي ظهر في تلك الأواني المعدومة المقدرة ، فكان لونه لونها وصورته صورتها من غير أن يحل هو فيها ، لأن الوجود لا يحل في العدم من غير أن يتحد معها أيضا ، فأين الحادث ممن له وصف القدم بل هو في تلك الحالة غيرها وهي غيره ، ولكن شدة القرب بينهما أوجبت الالتباس على عقول الناس ، فهلك بالجهل منهم كثيرون ، وحار كثيرون فتوقفوا ولم يهتدوا ، وتحقق كثيرون ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور ( وهو ) ، أي قول الجنيد قدس اللّه