الشيخ عبد الغني النابلسي
462
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
المشاهدة بطريق الامتنان فقال صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » من باب التحدث بالنعمة شكرا لها . قال تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضحى : 11 ] ، وليست قرة العين في الصلاة إلا مشاهدة المحبوب الحق سبحانه في الصلاة بحضور القلب التي نعت للمشاهدة تقرّ بها ، أي بالمشاهدة عين المحبوب له مشتق ذلك من الاستقرار فتستقرّ العين ، أي عين المحب عند رؤيته ، أي المحبوب فلا ينظر ، أي المحب بعينه أو بقلبه معه ، أي مع المحبوب إلى شيء آخر غيره في سبب شيء ، أي أمر ضروري داع إلى ذلك النظر وفي غير شيء أيضا ، أي من غير حاجة ولا غرض صحيح ولذلك ، أي لأجل ما ذكر نهي بالبناء للمفعول عن الالتفات بعينه أو بقلبه في الصلاة إلى شيء مطلقا فإن الالتفات شيء يختلسه ، أي يسرقه الشيطان بخفية من حيث لا يشعر به المصلي من صلاة العبد فتنقص صلاته . والحديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال : « هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد » . وفي رواية الطبراني : « لا تلتفتوا في صلاتكم فإنه لا صلاة للملتفت » فيحرمه ، أي الشيطان يحرم العبد لذلك مشاهدة محبوبه الحق سبحانه بل لو كان الحق تعالى محبوب هذا الملتفت ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه ، أي وجه صورته في الظاهر ووجه قلبه في الباطن ، فإن الكعبة قبلة الظاهر والحضرة الإلهية قبلة الباطن والإنسان يعلم حاله الذي هو عليه في نفسه هل هو بهذه المثابة ، أي المرتبة المذكورة في الحضور في صلاته وزوال الغفلة عن قلبه في هذه العبادة الخاصة أم لا ، أي ليس هو كذلك . فإن الإنسان على نفسه بصيرة ، أي يعرف نفسه أكثر من معرفة غيره به ولو ألقى ، أي هيأ وأعد للغير معاذيره ، أي أعذاره في كل حال من أحواله ، فإنه لا يغتر بما يظهر له من غيره في حقه فإن الغير لا يتكلم إلا بمقدار ما يعلم فهو ، أي الإنسان يعرف كذبه ، أي كذب نفسه في الصلاة وغيرها من صدقه في نفسه بذلك لأن الشيء لا يجهل حاله الذي هو فيه فإن حاله ، أي حال الشيء له ، أي للشيء ذوقي ، أي مكشوف له ذوقا فهو يحس بما هو فيه ما لا يحس منه غيره وقد يستولي عليه الجهل والغباوة فلا يعرف نفسه فيغتر بمدح الناس له فيهلك من حيث لا يشعر . * * *