الشيخ عبد الغني النابلسي

46

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الشباب لِكَيْ لا يَعْلَمَ ذلك البعض الذي رد بَعْدَ عِلْمٍ كان يعلمه شَيْئاً فتضعف قوّة مخيلته وحافظته وبقية حواسه الظاهرة والباطنة وآلات إدراكه ، ويرجع إلى ما كان فيه من قبل أن يخلق كأنه لم يعلم شيئا ، والعلم الحقيقي كله للّه تعالى فيرجع علمه إليه سبحانه ، والجهل إلى ما سواه كما كان . فذكر تعالى أنه ، أي الإنسان رد إلى الضعف الأوّل الذي خلق منه فحكم الشيخ الكبير الهرم الواصل إلى أرذل العمر بضعف قواه وأعضائه حكم الطفل الصغير في الضعف الكائن في قواه وأعضائه وإدراكه الذي هو أصل ابتدائي منه الطفل ورجع إليه الشيخ . * * * وما بعث نبيّ إلّا بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه في النّقص والضعف فلهذا قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [ هود : 80 ] مع كون ذلك يطلب همّة مؤثّرة . فإن قلت وما يمنعه من الهمّة المؤثّرة وهي موجودة في السّالكين من الأتباع ، والرّسل أولى بها قلنا صدقت ولكن نقصك علم آخر ، وذلك أنّ المعرفة لا تترك للهمّة تصرّفا فكلّما علت معرفته نقص تصرّفه بالهمّة ، وذلك لوجهين : الوجه الواحد لتحقّقه بمقام العبوديّة ونظره إلى أصل خلقه الطّبيعيّ . والوجه الآخر أحديّة المتصرّف والمتصرّف فيه : فلا يرى على من يرسل همّته فيمنعه ذلك . وفي هذا المشهد يرى أنّ المنازع له ما عدل عن الحقيقة الّتي هو عليها في حال ثبوت عينه وحال عدمه ، فما ظهر في الوجود إلّا ما كان له في حال العدم في الثّبوت ، فما تعدّى حقيقته ولا أخلّ بطريقته . وما بعث نبي من أنبياء اللّه تعالى إلى أمة من الأمم إلا بعد تمام سن الأربعين سنة من عمره وهو زمان أخذه ، أي الإنسان إذا وصل إلى هذا المقدار من السن في النقص والضعف ظاهرا وباطنا وتحققه بحال بدايته في حال نهايته فلهذا ، أي لأجل ما ذكر قال لوط عليه السلام حين كان متحققا بضعفه الأصلي الذي خلق منه وقد أرسل إلى قومه بعد وصوله إلى سن الأربعين من عمره لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً مع كون ذلك القائل يطلب بقوله همة مؤثرة في قومه تظهر فيه أو تظهر في غيره وهو الركن الشديد الذي طلب أن يأوي إليه فإن قلت يا أيها السالك وما يعني أي شيء يمنعه ، أي لوط عليه السلام مع كونه من الكاملين في العلم باللّه