الشيخ عبد الغني النابلسي

424

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض المتكلم ، وأنشد الزمخشري عليه قول الشاعر : كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها وفائدة هذا الطي عندهم تكثير ذلك الشيء . وقال ابن القيم وغيره : من رواه : حبب إليّ من دنياكم ثلاث فقد وهم ، ولم يقل صلى اللّه عليه وسلم : ثلاث ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها . وقال الحافظ ابن حجر في مخاريج الكشاف : إن لفظ ثلاث لم يقع في شيء من طرقه ، وزيادته تفسد المعنى . وقال العراقي في أماليه : ليست هذه اللفظة وهي ثلاث في شيء من كتب الحديث ، وهي مفسدة المعنى ، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا ، وكذا صرح به الزركشي وغيره . انتهى . وأقول : أما كون الصلاة ليست من أمور الدنيا ، لأنها عبادة مقصودة فظاهر ، وذكرها مع الطيب والنساء والإطلاق على الثلاثة أنها من أمور الدنيا بطريق التغليب في الكلام ليس بممنوع ، كما غلب من لا يعقل على من يعقل في قوله تعالى : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ [ الحديد : 1 ] وبالعكس في قوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 5 پ ] والكل مسبح للّه تعالى بدليل قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] والكل ساجد بدليل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [ الحج : 18 ] . وإذا كان الحديث مخرجا من باب التغليب في الكلام ، فلا إشكال فيه بشيء ، وأيضا لم يقل النبي عليه السلام في الثلاث إنها : الطيب والنساء والصلاة حتى يلزم ما ذكروا ، وإنما قال : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » كما يأتي في الثالث قرة عينه في الصلاة لا الصلاة نفسها ، وقرة عينه فرحه بالصلاة ، وذلك الفرح من أمور الدنيا وإذا لم تثبت لفظة ثلاث في الرواية عند من نفاها ، فهي ثابتة عند من أثبتها كالغزالي والزمخشري وكثير من الفقهاء ، والمصنف قدس اللّه سره ومن حفظ حجة على من لم يحفظ بما ، أي بسبب فيه ، أي في خلقته من التثليث المذكور . ثم ذكر صلى اللّه عليه وسلم في بيان الثلاث الواقعة في كلامه النساء والطيب وجعلت قرة ، أي برد عينيه عليه السلام من حرارة دمع حزنهما كناية عن وجود الفرح في الصلاة ؛ ولهذا كان يقول عليه السلام لبلال : « أرحنا بها يا بلال » « 1 » ، أي أدخلنا

--> ( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، باب في صلاة العتمة ، حديث رقم ( 4985 ) [ 4 / 296 ] والطبراني في الكبير ، حديث رقم ( 6215 ) [ 6 / 277 ] ورواه غيرهما .