الشيخ عبد الغني النابلسي

411

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ومعاينة للحق المبين عند موته مؤمنا أو كافرا فهو صاحب إيمان بما ثم بالفتح أي هناك مما شاهد وعاين من الحق فلا يقبض ، أي يموت إلا على ما كان عليه من الإيمان والكفر لأن كان حرف وجودي ، أي معناه وجود خبره لاسمه ، أي ثبوته له ، فإذا قلت : كان زيد قائما ، فمعناه وجود القيام لزيد وثبوته له ، وإطلاق الحرف عليه باعتبار تجرده عن الحدث ، فقد خالف الأفعال في دلالتها على الحدث والزمان ، وخالف الأسماء لعدم دلالته على معنى في نفسه ، فكان حرفا لا يقيد إلا بذكر الخبر كالحرف لا يفيد إلا بضم ضميمة إليه . وهذا في حال استعماله ناقصا والتام فعل بمعنى وجد لا ينجر ، أي لا ينسحب معه الزمان الماضي المفهوم منه في حال استعماله إلى زمان الحال إلا بقرائن الأحوال في تراكيب الكلام كما في هذا الحديث ، فإن قوله : يقبض على ما كان عليه أي كان من قبل في الماضي واستمر إلى حال القبض فقبض عليه فيفرق بما ذكر بين الكافر المحتضر في الموت بأن مرض ونازع ومات وبين الكافر المقتول غفلة أو الميت فجأة كما قلنا في حد الفجأة ، أي تعريفها وتبيينها ، فالكافر المحتضر يموت مؤمنا ، وغير المحتضر يموت كافرا لعدم إيمانه في وقت الموت ، وإذا مات الكافر المحتضر مؤمنا لا يلزم من ذلك أن يظهر حكم إيمانه في الدنيا ، وإنما إذا لم يعرف منه الإسلام والإيمان عند موته بالصريح ثم مات وهو محتضر بمرض ونزع عومل في الدنيا معاملة الكافر وكان مؤمنا في الآخرة ، وإذا علم إيمانه كان مؤمنا من غير شبهة . وكون إيمان اليأس غير نافع يعني في رفع العذاب والنجاة من الهلاك في الدنيا لا في حق نجاة الآخرة كما تقدم بيانه . * * * وأمّا حكمة التّجلّي والكلام في صورة النّار ، فلأنّها كانت بغية موسى عليه السّلام ، فتجلّى له في مطلوبه ليقبل عليه ولا يعرض عنه . فإنّه لو تجلّى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همّه على مطلوب خاصّ . ولو أعرض لعاد عليه فأعرض عنه الحقّ ، وهو مصطفى مقرّب . فمن قربه أنّه تجلّى له في مطلوبه وهو لا يعلم . كنار موسى رآها عين حاجته * وهو الإله ولكن ليس يدريه وأما حكمة التجلي الإلهي ، أي انكشافه تعالى وظهوره لموسى عليه السلام وحكمة الكلام الإلهي أيضا لموسى عليه السلام في صورة النار التي رآها بطور سيناء وكان ليلا فقال لأهله : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ