الشيخ عبد الغني النابلسي

412

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) [ طه : 10 - 12 ] ، فلأنها ، أي النار كانت بغية ، أي حاجة موسى عليه السلام تلك الليلة مع أهله لأجل برد أو طبخ أراده فتجلى له الحق تعالى في صورة مطلوبه وظهر له في هيئة مرغوبه ومحبوبه ليقبل ، أي موسى عليه السلام عليه ، أي على الحق تعالى إقبالا بكليته ولا يعرض عنه ، أي عن الحق تعالى فإنه ، أي الحق تعالى لو تجلى له ، أي لموسى عليه السلام في غير صورة مطلوبه في ذلك الوقت أعرض ، أي موسى عليه السلام عنه ، أي عن الحق تعالى لاجتماع همه ، أي هم موسى عليه السلام يعني همته وعزمه على مطلوب له خاص غير ذلك المتجلي له لتجليه في غير المطلوب ولو أعرض ، أي موسى عليه السلام عن الحق تعالى لعاد عمله أي إعراضه ذلك عليه أي على موسى عليه السلام فأعرض عنه ، أي عن موسى عليه السلام الحق تعالى أيضا ، لأنه تعالى الملك الديان كما يدين يدان ، وهذا من حيث الظاهر . وفي الباطن أن الفعل واحد ، ينسب إلى العبد باعتبار وإلى الرب باعتبار ، كما قال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ التوبة : 118 ] وهو ، أي موسى عليه السلام مصطفى ، أي اصطفاه اللّه تعالى واختاره على جميع أهل زمانه مقرب بصيغة اسم المفعول فيهما ، أي قربه اللّه تعالى وأدناه من جنابه وأكرمه بمناجاته وخطابه فمن جملة قربه ، أي موسى عليه السلام من حضرة ربه تعالى أنه تعالى تجلى ، أي انكشف وظهر له ، أي موسى عليه السلام في صورة مطلوبه الخاص في ذلك الوقت يعني النار وهو ، أي موسى عليه السلام لا يعلم بذلك ولهذا سماه نارا فقال لأهله : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً وإلى ذلك أشار المصنف قدس اللّه سره إلى ذلك بقوله : [ شعرا ] كنار موسى عليه السلام يعني أن الحق تعالى يتجلى للسالك في طريقه بالصورة التي ينصرف إليها عزمه وهمته في كل حين رآها ، أي رأي النار موسى عليه السلام عين حاجته ، أي بغيته ومطلوبه في ذلك الحين وهو ، أي المتجلي له في صورة النار الإله سبحانه من غير حلول ولا اتحاد في الصورة بها ، لأن كل ما سوى الوجود الإلهي الحق عدم باطل ، فلا يمكن أن يحل أحدهما في الآخر أصلا كما مر بيانه غير مرة ولكن كان موسى عليه السلام ليس يدريه ، أي لا يعلمه ، يعني لا يعلم أن الحق تعالى تجلى له في صورة تلك النار التي رآها . * * *