الشيخ عبد الغني النابلسي

406

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

في تلك الساعة بالغرق في البحر وقرينة الحال من فرعون تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال بالموت والهلاك إلى الآخرة لأنه عاين ، أي رأى وشاهد المؤمنين من قوم موسى عليه السلام يمشون على الطريق اليبس ، أي اليابس الذي ظهر في أرض البحر بضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر فلم يتيقن حينئذ فرعون بالهلاك إذا آمن بخلاف المحتضر بصيغة اسم المفعول ، أي الذي حضرته الوفاة وهو في النزع حتى لا يلحق ، أي فرعون به ، أي بالمحتضر ليأسه من الحياة ورجاء فرعون للحياة فآمن ، أي فرعون بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، كما حكاه تعالى عنه أن قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 90 ] على التيقن بالنجاة من الهلاك بالغرق فكان الأمر كما تيقن فحصلت له النجاة لكن على غير الصورة التي أراد وهي النجاة من الهلاك بالغرق . فنجاه اللّه تعالى من عذاب الآخرة في نفسه التي هي داخل بدنه بحصول الإيمان له وقبوله منه ، فإنه لا مانع من القبول لأنه الأصل حتى يوجد دليل قاطع يمنعه ونجّى اللّه تعالى أيضا بدنه كما قال تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [ يونس : 92 ] ، أي علامة لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه الباقون في مصر بلا غرق احتجب عن الناس بالصعود إلى السماء ونحوه فظهر ، أي فرعون بالصورة المعهودة له عندهم ميتا لا حياة فيه ليعلم بالبناء للمفعول أنه ، أي فرعون هو ، أي فرعون لا غيره فقد عمته النجاة ، أي السلامة حسا في بدنه ومعنى في نفسه بحصول الإيمان له . * * * ومن حقّت عليه كلمة العذاب الأخراوي لا يؤمن ولو جاءته كلّ آية حتّى يروا العذاب الأليم ، أي يذوقوا العذاب الأخراوي . فخرج فرعون من هذا الصّنف . هذا هو الظّاهر الّذي ورد به القرآن . ثمّ إنّا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه ، لما استقرّ في نفوس عامّة الخلق من شقائه ، وما لهم نصّ في ذلك يستندون إليه . وأمّا آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه . ثمّ ليعلم أنّه لا يقبض اللّه أحدا إلّا وهو مؤمن أي مصدّق بما جاءت به الأخبار الإلهيّة : وأعني من المختضرين ولهذا يكره موت الفجأة وقتل الغفلة . ومن حقت ، أي تحققت عليه كلمة العذاب الأخروي وهي كلمة الرب