الشيخ عبد الغني النابلسي
407
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
المقطوع بها في علم اللّه تعالى القديم وتقديره الأزلي . قال تعالى : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) [ الزمر : 19 ] فذكر النار دليل على أنه العذاب الأخروي لا يؤمن في الدنيا أصلا ولو جاءته ظهرت له كل آية . قال تعالى في حق فرعون : وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى ( 56 ) [ طه : 56 ] يعني في حياته الدنيا قبل نزوله في البحر بدليل قوله بعده : قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) [ طه : 57 ] ثم آمن بعد ذلك بعد نزوله في البحر وأدرك الغرق كما مر ذكره . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) [ يونس : 96 - 97 ] ، أي حتى يذوقوا العذاب الأخروي فخرج فرعون من هذا الصنف المذكورين لأنه آمن قبل أن تحق عليه كلمة ربك التي هي كلمة العذاب الأخروي وقبل أن يذوق العذاب الأليم الأخروي ، بل قبل أن يذوق الغرق الذي هو عذاب الدنيا ومن حقت عليه الكلمة لا يؤمن حتى يرى ، أي يذوق العذاب الأليم ، وهو العذاب الأخروي ، لأنه لا أكثر منه في الألم فيدل أنه يؤمن بعد الموت ، والإيمان بعد الموت غير مقبول إجماعا وفرعون لم يفعل كذلك إلا أنه آمن قبل الموت . هذا الكلام المذكور هنا المقتضي بصحة إيمان فرعون وقبوله هو الظاهر الذي ورد به القرآن كما علمت بيانه ولم يرد في السنة النبوية ما يرده ولا في الإجماع أيضا ، لأنه قال بصحة إيمان فرعون جماعة من المجتهدين ذكرهم الشيخ عبد الوهاب الشعراوي رحمه اللّه تعالى في أوائل كتابه اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر والمصنف قدس اللّه سره من جملتهم ثم إنا نقول بعد ذلك ، أي بعد تقرير ما ذكر والأمر فيه ، أي في حق فرعون موكول إلى اللّه تعالى لما ، أي لأجل الأمر الذي استقر في نفوس عامة الخلق ، أي العامة من الخلق دون الخاصة منهم أو الأكثرون الأقل من شقائه ، أي فرعون يعني هلاكه على الكفر وتخليده في النار ، بناء على ذكر اللّه تعالى في حقه في القرآن من الأحوال التي كان عليها في حياته في الدنيا ، من الكفر ودعوى الربوبية والظلم والتعدي واتباع السحر وقتل النفوس بلا حق ، والتكذيب بالأنبياء عليهم السلام وإضلال قومه ، إلى غير ذلك من الأوصاف القبيحة ، ولم يلتفتوا إلى ما ذكره اللّه تعالى أيضا عنه من إيمانه في آخر الأمر قبل أن يهلك بالغرق في البحر وقطعوا بأن ذلك إيمان غير مقبول منه ولم يبحثوا عنه في ذلك الوقت كيف كان حاله مع اللّه تعالى والكل