الشيخ عبد الغني النابلسي
397
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وجودكم لكم فإن لم تكونوا من هذا الصنف المذكور فقد أجبتكم في الجواب الثاني وهو قول موسى عليه السلام : قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الشعراء : 28 ] ، يعني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصرتم الحق تعالى فيما تعطيه أدلة جمع دليل عقولكم من المعاني والصور الخيالية . فظهر موسى عليه السلام بالوجهين ، أي وجه الإطلاق في المعرفة لأهل اليقين ، ووجه التقييد فيها لأهل العقول ليعلم فرعون فضله ، أي موسى عليه السلام في المعرفة وصدقه في النصح للأمة وعلم موسى عليه السلام أن فرعون يعلم ذلك ، أي الذي ذكره موسى عليه السلام له لكونه ، أي فرعون سأل عن الماهية ، أي ماهية الإله من حيث لوازمها الفعلية . فعلم ، أي موسى عليه السلام أن سؤاله ، أي فرعون ليس على مقتضى اصطلاح القدماء من حكماء الفلاسفة في السؤال بما ، أي عن ماهية الشيء من حيث هي ماهية فلذلك أجاب ، أي موسى عليه السلام عن السؤال فلو علم ، أي موسى عليه السلام منه ، أي من فرعون غير ذلك ، أي غير سؤاله عن الماهية من حيث اللوازم الفعلية لها لخطأه في السؤال إذ ليست ماهيته تعالى بمركبة من عام وخاص كماهيات الأشياء ، فلا يمكن معرفتها أصلا ، فالسؤال عنها من هذه الحيثية عبث لأنه لا يتحصل للأفهام فيه شيء . * * * فلمّا جعل موسى المسؤول عنه عين العالم ، خاطبه فرعون بهذا اللسان والقوم لا يشعرون . فقال له : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] . والسّين في « السّجن » من حروف الزّوائد : أي لأسترنّك فإنّك أجبتني بما أيّدتني به أن أقول لك مثل هذا القول . فإن قلت لي : فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إيّاي ، والعين واحدة ، فكيف فرقت فيقول فرعون إنّما فرقت المراتب العين ما تفرّقت العين ولا انقسمت في ذاتها . ومرتبتي الآن التّحكّم فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين وغيرك بالرّتبة . فلما جعل موسى عليه السلام المسؤول عنه وهو ماهية الإله من حيث لوازمها الفعلية عين العالم ، لأنه تعالى هو الظاهر بصور العالم أو صور العالم