الشيخ عبد الغني النابلسي
383
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
من ذلك الرجل مخافة ، أي خوفا مني عليه من ضعف يقينه بأمر الآخرة وكثرة حبه للدنيا أن يكبّه ، أي يسقطه ويلقيه اللّه تعالى على وجهه في النار بإساءة أدبه ظاهرا وباطنا في حقي . والحديث برواية « أما بعد فو اللّه إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي ولكن أعطي أقواما لما يرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل اللّه في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن ثعلب » رواه البخاري « 1 » عن عمرو بن ثعلب . وفي حديث آخر أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده « 2 » والنسائي « 3 » عن سعد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني أعطي رجالا وأدع من أحب إلي منهم لا أعطيه شيئا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم » . وفي حديث البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رحم اللّه موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ، وهذا ما قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم حين قال رجل يوم حنين : واللّه إن هذه لقسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه اللّه فتغير وجهه صلى اللّه عليه وسلم » ثم ذكره ، وكان كلامه هذا شفقة عليهم ونصحا في الدين لا تهديدا ولا تثريبا . * * * فاعتبر الضّعيف العقل والنّظر الّذي غلب عليه الطّمع والطّبع . فكذا ما جاؤوا به من العلوم جاؤوا به وعليه خلعة أدنى الفهوم ليقف من لا غوص له عند الخلعة ، فيقول ما أحسن هذه الخلعة ! ويراها غاية الدّرجة . ويقول صاحب الفهم الدّقيق الغائص على درر الحكم - بما استوجب هذا - « هذه الخلعة من الملك » . فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثّياب ، فيعلم منها قدر من خلعت عليه ، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممّن لا علم له بمثل هذا . فاعتبر صلى اللّه عليه وسلم في تفريقه المال الرجل الضعيف العقل والضعيف النظر ، أي الرأي والفكر الذي غلب عليه الطمع في الدنيا وغلب عليه الطبع الخسيس ، فأعطاه وأجزل نصيبه من المال ، ولم يعتبر أهل القوة الإيمانية واليقين الصادق ، فربما حرمهم من ذلك ، كما كان عليه السلام يقسم الغنائم على بعض المهاجرين
--> ( 1 ) في صحيحه ، باب من قال في الخطبة بعد الثناء ، أما بعد . . ، حديث رقم ( 881 ) [ 1 / 312 ] . ( 2 ) حديث رقم ( 1522 ) [ 1 / 176 ] . ( 3 ) في سننه ( المجتبى ) 7 تأويل قوله عز وجل قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ [ الحجرات : 14 ] ، حديث رقم ( 4992 ) [ 8 / 103 ] .