الشيخ عبد الغني النابلسي
378
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ولذلك ، أي لأجل ما ذكر يقال عند المحققين إن الأمر الإلهي حركة تصدر عن سكون متقدم فيها فيتحرك الساكن الذي هو المأمور بالحركة التي هي ذلك الأمر ، كالانفعال الذي هو عين ظهور فعل الفاعل كقولهم : كسرت الإناء فانكسر ، فحركة الكسر هي بعينها حركة الانكسار ، ظهرت على المنفعل لها ، وكانت ساكنة فيه . فكانت الحركة التي هي نفس وجود العالم ، لأنها عين الأمر الإلهي حركة حب ، أي محبة من صاحب الأمر تعالى وقد نبّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك ، أي كون حركة وجود العالم حبية بقوله في الحديث القدسي « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف بالبناء للمفعول فأحببت أن أعرف » بالبناء للمفعول أيضا وبقية الحديث : « فخلقت خلقا تعرفت إليهم فبي عرفوني » . * * * فلولا هذه المحبّة ما ظهر العالم في عينه . فحركته من العدم إلى الوجود حبّ الموجد لذلك ، ولأنّ العالم أيضا يحبّ شهود نفسه وجودا كما شهدها ثبوتا ، فكانت بكلّ وجه حركته من العدم الثّبوتي إلى الوجود حركة حبّ من جانب الحقّ ومن جانبه فإنّ الكمال محبوب لذاته . وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غنيّ عن العالمين هو له وما بقي له إلّا تمام مرتبة العلم بالعلم الحادث الّذي يكون من هذه الأعيان ، أعيان العالم ، إذا وجدت . فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدث والقديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين . فلو لا هذه المحبة من الحق تعالى ما ظهر هذا العالم في عينه ، أي عين العالم إذ العالم ظاهر للحق تعالى من الأزل وليس بظاهر لنفسه فظهر بالمحبة القديمة فحركته ، أي حركة المحبة للعالم من العدم الذي هو فيه إلى الوجود الذي اتصف به ظاهرا حركة حب ، أي محبة الموجد ، أي الحق تعالى الذي أوجد العالم لذلك ، أي لإيجاد العالم ليعرف به ولأن العالم أيضا يحب شهود ، أي معاينة نفسه وجودا ، أي موجودة كما شهدها ، أي نفسه ثبوتا أي ثابتة في عدمها الأصلي فأنت بكل وجه من الوجوه حركته أي العالم من العدم الثبوتي الأصلي إلى الوجود الذي اتصف به حركة حب أي لمحبة من جانب الحق تعالى ومن جانبه اي العالم أيضا فإن الكمال الذي هو الموجود محبوب لذاته