الشيخ عبد الغني النابلسي

36

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فمن طلب الأمر من غير طريقه كمن يطلب معرفة النفس الناطقة من طريق النظر العقلي فما ظفر بحقيقته ، أي تحقيق ذلك الأمر ، والتبس عليهم الحق المبين بملابس الأغيار من العالمين وما أحسن ما قال اللّه تعالى في حق هذا العالم الحادث وتبدله ، أي تغيره بمحوه في كل آن وإثبات مثله كأنه هو مع تكرار الأنفاس الخارجة من أجواف جميع الحيوان والداخلة عليها في خلق ، أي تخليق وإيجاد وتقدير من اللّه تعالى جديد غير الخلق الأوّل الذي كان في النفس الأوّل ، ويكون في النفس الثاني والثالث كذلك ، وهكذا جميع ذلك في عين واحدة وجودية حقيقة مطلقة تتبدل عليها تلك العوالم كلها في نفس وتمضي وتأتي غيرها ، وهي لا تتبدل ولا تتغير أصلا ، وهي على ما كانت عليه في الأزل . فقال تعالى في حق طائفة أنكروا المعاد والمحشر واستبعدوه بل في حق أكثر العالم من الناس الغافلين عن أذواق العارفين بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ، أي التباس مِنْ خَلْقٍ ، أي مخلوق أو تخليق جَدِيدٍ غير ما يرونه في أوّل ما يرون فلا يعرفون تجديد الأمر في نفسه مع الأنفاس فهو غيره في كل نفس . لكن قد عثرت ، أي اطلعت عليه ، أي على هذا الخلق الجديد المتبدل مع الأنفاس الأشاعرة من علماء الكلام وهم جماعة أبي الحسن الأشعري من أهل السنة في بعض الموجودات من العالم وهي الأعراض جمع عرض بالتحريك وهو ما لا قيام له بنفسه عندهم ، بل قيامه بالجسم والجسم عندهم خلاف العرض لأنه الذي له قيام بنفسه ، يعني تحيزه ليس تابعا لتحيز شيء آخر ، والعرض الذي تحيزه تابع لتحيز غيره وهو الجسم . وعثرت ، أي اطلعت عليه ، أي على الخلق الجديد المذكور وتبدله مع الأنفاس الفرقة الحسبانية ، أي المنسوبون إلى الحسبان وهو الظن والتوهم في العالم كله ويقال لهم : السوفسطائية فإن سوفسطا اسم للحكمة الموهومة والعلم المزخرف لأن « سوفا » معناه العلم والحكمة و « اسطا » معناه المزخرف والغلظ ، ومنه اشتقت السفسطة كما اشتقت الفلسفة من « فيلاسوفا » ، أي محب الحكم . وهذه الفرقة أنواع ؛ منهم من ينكر حقائق الأشياء ويزعم أنها أوهام وخيالات باطلة وهم العنادية ، ومنهم من ينكر ثبوتها ويزعم أنها تابعة للاعتقادات ، حتى إن اعتقدنا الشيء جوهرا فجوهرا أو عرضا فعرض أو حادثا فحادث أو قديما فقديم وهم العندية ، ومنهم من ينكر العلم بثبوت شيء واللاثبوتية ويزعم أنه شاك وشاك في أنه شاك ، وهلم جرا ، وهم اللاأدرية نسبة إلى لا أدري . وجهلهم ، أي الحسبانية أهل النظر من المتكلمين والفلاسفة بأجمعهم حيث نفوا حقائق الأشياء ولم يعترفوا بثبوت شيء منها أصلا ولكن أخطأ