الشيخ عبد الغني النابلسي
32
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ومن أعجب الأمر أنه ، أي العبد مطلقا في الدنيا وفي الآخرة في الترقي في معرفة اللّه في الوجهة التي هو متوجه إليها والتجلي الإلهي الذي هو فيه من حضرة أي اسم كان في قبضة جمال أو قبضة جلال دائما في جميع الأحوال التي يكون فيها ولهذا ترى كل متوجه إلى أمر متقن ذلك الأمر متزايد فيه كل وقت ما دام توجهه عليه ولا يشعر ذلك العبد بذلك ، أي بالترقي الدائم للطافة الحجاب بين نفسه الوهمية الثابتة وبين ربه المتحقق للوجود ورقته ، أي الحجاب وليس الحجاب إلا نفسه الوهمية الثابتة من غير وجود ، وأحوالها الوهمية أيضا مثلها الثابتة من غير وجود ، فيظن أنه الموجود الحقيقي لرقة الحجاب الذي هو نفسه بينه وبينه ، حيث ظهر له ذلك الموجود الحقيقي بصورة الحجاب الذي هو نفس العبد الحائلة بينهما ، والنفس مع كونها غير موجودة بل هي ثابتة مع أحوالها متبدلة في كل وقت . قال تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ، فكل خلق يأتي بحجاب عند الجاهل بل يأتي بظهور وتجلي ، ويذهب بظهور وتجل عند العارف ، وكل حجاب أو ظهور ترقى بغير شعور أو بشعور ولأجل تشابه الصور أيضا التي هي النفس وأحوالها والحجاب والظهور ، فإن كل وقت فيه صورة تشبه الصورة التي كانت قبلها وبعدها صورة تشبهها أيضا ، وهكذا وليس الشبه في الصور من كل وجه بل من وجه واحد أو وجهين أو أكثر ، بحيث تصدق المغايرة وهو أمر خفي لا يشعر به إلا العارف إذا علم الأسماء الإلهية ، وعلم تجلياتها مثل قوله تعالى في ثمر الجنة وأتوا ، أي آتاهم اللّه تعالى به متشابها ، أي يشبه بعضه بعضا غير أنه لا بس في الآخرة واللبس في الدنيا وليس هو ، أي الشأن الواحد من الأشياء المتشابهة عين الشيء الآخر ولهذا تعددت فإن الشبيهين تثنية شبيه وهو المشابه عند العارف باللّه تعالى من حيث إنهما شبيهان غيران ، أي كل واحد منهما مغايرا للآخر وهكذا إذا حكم بالشبه بينهما فإنه يلزم من ذلك المغايرة بينهما أيضا ، وإن حكم بالاتحاد لم يكن بينهما شبه فلم تكن مغايرة والخلق جديد مع الأنفاس وإن كان الجاهل عنه في الالتباس كما قال تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ، ولا معنى لتجديد الخلق إلا تكراره والحس يقضي بالشبه المقتضي للمغايرة كما ذكر . * * * وصاحب التّحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أنّ مدلول الأسماء الإلهيّة ، وإن اختلفت حقائقها وكثرت ، أنّها عين واحدة . فهذه كثرة معقولة في