الشيخ عبد الغني النابلسي

319

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بمقتضى هذه الآية ما بين علم الذوق الذي يفتح به على قلوب الأولياء أثرا عن ظهور اسمه تعالى الخبير على حسب استعدادهم لذلك ؛ ولهذا لا يكون إلا بعد المحنة والفتنة والبلاء والصبر من العبد والاحتساب فيه لوجه اللّه تعالى وبين العلم المطلق عن قيد الذوق وهو علم الرسوم الظاهرة الحاصل في خيال العبد وفهمه وحفظه دون ذوقه وجدانه وكشفه الذي هو أثر عن ظهور اسمه تعالى العليم بحسب استعداد العبد لذلك ولا يلزم أن يكون بعد محنة وبلاء . فعلم الذوق والوجدان مقيد إدراكه بالقوى جمع قوّة ، لأنه ذوقي وجداني لا بالخيال والفكر والتصوّر في الذهن كالعلم المطلق وقد قال تعالى عن نفسه بلسان نبيه عليه السلام في حديث : « لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به » « 1 » إلى آخره . إنه تعالى بوجوده القيوم القديم عين قوى عبده المؤمن به في قوله في الحديث المذكور كنت سمعه الذي يسمع به وهو ، أي سمع قوة روحانية منفوخة في جسد العبد من روح اللّه القائم بأمره سبحانه من جملة قوى العبد المؤمن وكنت بصره الذي يبصر به وهو أي البصر قوّة أيضا روحانية منفوخة في الجسد من جملة قوى العبد أيضا وكنت لسانه الذي ينطق به وهو ، أي اللسان عضو جسماني فيه قوة روحانية أيضا منفوخة من روح اللّه تعالى القائم بأمره تعالى من جملة أعضاء العبد المؤمن وكنت رجله ويده أيضا كما ورد في لفظ الحديث . فما اقتصر تعالى في التعريف ، أي تعريف عبده به على أنه تعالى هو القوى ، أي قوى العبد الروحانية المذكورة فحسب ، أي فقط حتى أنه تعالى ذكر الأعضاء الجسمانية أيضا وليس العبد بغير ، أي بشيء زائد مغاير هذه الأعضاء الجسمانية والقوى الروحانية ، وقد ذكر في الحديث أمهات ذلك وأصوله وهي اللسان واليد والرجل ، ولم يذكر الفرج ولا الأنف ولا الأذن ونحوها لتبعيتها لما ذكر ، والسمع والبصر من أشرف القوى الروحانية فذكرتا ، والبقية تبع لذلك ، والمراد الجميع . فعين مسمى العبد ، أي مجموع ما يسمى بالعبد من الأعضاء والقوى هو الحق تعالى من حيث التجلي بالوجود ، ولهذا قال : الذي يسمع به والذي يبصر به

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .