الشيخ عبد الغني النابلسي
318
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الإخلاص والزهد والخشوع حتى تتنوّر بصائرهم وتتنبه أبصارهم ، فيرون الحق حقا ويرزقون اتباعه ، ويرون الباطل باطلا ويرزقون اجتنابه كما ورد في دعائه صلى اللّه عليه وسلم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [ البقرة : 220 ] فهذه المعاني المذكورة هنا هي حكمة كونه تعالى لطيفا . * * * ثمّ نعت فقال : خَبِيرٌ [ لقمان : 16 ] أي عالم عن اختبار وهو قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] . وهذا هو علم الأذواق . فجعل الحقّ نفسه مع علمه بما هو الأمر عليه مستفيدا علما . ولا تقدر على إنكار ما نصّ الحقّ عليه في حقّ نفسه . ففرّق تعالى ما بين علم الذّوق والعلم المطلق . فعلم الذّوق مقيّد بالقوى . وقد قال عن نفسه إنّه عين قوى عبده في قوله : « كنت سمعه » ، وهو قوّة من قوى العبد ، « وبصره » وهو قوّة من قوى العبد ، « ولسانه » وهو عضو من أعضاء العبد ، « ورجله ويده » فما اقتصر في التّعريف على القوى فحسب حتّى ذكر الأعضاء : وليس العبد بغير هذه الأعضاء والقوى . فعين مسمّى العبد هو الحقّ ، لا عين العبد هو السّيّد . ثم نعت ، أي لقمان عليه السلام ربه تعالى فقال : خبير ، أي عالم بكل شيء علما صادرا عن اختبار ، أي امتحان منه تعالى لكل شيء وهو معنى قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يا معشر المكلفين حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] ، فنبلوكم ، أي نختبركم ونمتحنكم ليظهر لكم عندكم اسمنا الخبير كما ظهر بإيجادكم ابتداء اسمنا العليم وبقية أسمائنا عندكم . وهذا المعنى الحاصل بالبلاء هو علم الأذواق الذي يفتح اللّه تعالى به على قلوب الصديقين فيتخلقون باسمه تعالى العليم الخبير بعد أن يتحققوا به ويتعلقوا بأثره ومظهره فجعل الحق تعالى في هذه الآية نفسه سبحانه مع كمال علمه بما هو الأمر عليه من حال كل شيء مستفيدا علما من غيره باعتبار ظهور أثر اسمه الخبير بامتحان العبد وابتلائه شيئا فشيئا لطفا منه تعالى بعباده ، حتى يتم ظهور اسمه الخبير من حيث استعداد ذلك العبد فيحصل علم الذوق والوجدان لذلك العبد على حسب ظهور الاسم الخبير بكثير المحنة وقليلها وحقيرها وجليلها . ولا يقدر أحد من الناس على إنكار ، أي جحود ما نص الحق تعالى عليه في كلامه القديم في حق نفسه تعالى مما ذكر هنا وأمثاله ففرق تعالى