الشيخ عبد الغني النابلسي
309
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فإذا تحقق السالك بما ذكرنا من حيوانيته على التمام انتقل بعد ذلك إلى أن يكون عقلا مجردا ، أي خالصا قائما في غير مادة ، أي صورة طبيعية عنصرية فيشهد عند ذلك أمورا كثيرة ملكوتية هي أصول لما يظهر في الصور الطبيعية العنصرية كأرواح الكواكب المسلطة على تدبير الأجسام الإنسانية والحيوانية والنباتية والجمادية وأسرار الحفظة الكرام الكاتبين الذين هم في مواد الأعمال الإنسانية ، وأنوار القبض والبسط والجلال والجمال الساري في عالم القلوب والنفوس البشرية وغير ذلك . فيعلم بذلك من أين يظهر هذا الحكم الإلهي المطلق في الصور الطبيعية العنصرية مع بعد المناسبة بينهما علما ذوقيا ، أي مستندا إلى الذوق وهو الوجدان فإن كوشف في هذا المقام بأن كاشفه الحق تعالى أي كشف له على أن الطبيعة الكلية السارية في مجموع العالم مادة له في جميع الصور الحسية والعقلية عين نفس بفتح الفاء الرحمن الوارد في الحديث كما مر ذكره فقد أوتي ، آتاه اللّه تعالى خيرا كثيرا ، لأن ذلك الكشف حصل له بالنور الذاتي الذي قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] وهذا النور الذاتي إذا سرى في كلية العبد أبطلها وقام بنفسه فيها ، فكان هيولى كل شيء وتحقيق بالغيب غيبا وبالشهادة شهادة وحاز مرتبة الكمال المطلق للحق بالنقص المحقق للعبد . وإن اقتصر ، أي السالك معه ، أي مع عقله المجرد على ما ذكرنا من ذلك الكشف السابق فهذا القدر يكفيه من المعرفة باللّه تعالى الصحيحة الحاكمة على عقله في رتبة التنزيه بالكشف عن حكم الظهور في صور الطبيعة فيلحق ، أي صاحب هذه المعرفة المذكورة بالعارفين الكاملين ويعرف عند ذلك ذوقا ، أي وجدانا من نفسه معنى قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [ الأنفال : 17 ] ، أي المشركين والخطاب للصحابة رضي اللّه عنهم مع أنهم قتلوهم في الظاهر للحس ولكن الله قتلهم بكم وبأسلحتكم وما قتلهم بحسب ما يظهر لكل أحد إلا الحديد وهو السيف والرمح ونحو ذلك والضارب بالحديد وهم الصحابة رضي اللّه عنهم ، والعالم النفساني والروحاني والأمر الإلهي الرباني والذي خلق هذه الصور « 1 » المذكورة فبالمجموع من ذلك كله وقع القتل للمشركين من الصحابة رضي اللّه عنهم وكذلك الرمي من النبي صلى اللّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) وفي نسخة : [ والذي خلف هذه الصور ] بدل [ الذي خلق هذه الصور ] .