الشيخ عبد الغني النابلسي

291

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولكن قد أمرنا ، أي أمرنا الشارع بالستر فيما لا تبلغه عقول القاصرين من العلوم كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون » « 1 » أخرجه البخاري في صحيحه ليظهر بذلك تفاضل استعداد أي تهيئة الصور الإنسانية لقبول فيض التجلي نفسها ، فتذوق تلك الصور حلاوة الوهب الإلهي وليظهر أن المتجلي الحق في صورة إنسانية ظاهر بحكم استعداد تلك الصورة لما قبلته من الإدراك فينسب إليه ، أي إلى المتجلي الحق سبحانه ما تعطيه حقيقتها ، أي حقيقة تلك الصورة فيكون هو تعالى الظاهر بذلك دونها وما تعطيه لوازمها ، أي لوازم تلك الصورة من نسبة العلم أو الجهل أو نحو ذلك مما هو لازم حقيقة تلك الصور بحيث لا ينفك عنها ، لأنه من جملة أحوالها لا بد من ذلك ، أي من بقاء حقيقة تلك الصورة ولوازمها ، لأن المتجلي الحق بها هكذا أراد أن يتجلى فلا ينبغي أن تعطيها خلاف ما يظهر منها ، وإن كانت لا تقبل منه إلا مقدار استعدادها فإن استعدادها يقبل من فيض التجلي بحسبه ، وإن كان منامك هو أيضا من فيض التجلي عليها ، ولكنها لا تشعر لوقوفها في الفرق عن شهود الجمع . مثل من يرى الحق تعالى في النوم ولا ينكر هذا ، الذي رآه أنه الحق سبحانه وأنه لا شك عنده أن الحق تعالى عينه ، أي عين ما رأى فتتبعه ، أي تتبع ذلك المرئي في النوم لوازم تلك الصورة المرئية من الكبر أو الصغر أو الحسن أو ضده ونحو ذلك وحقائقها التي تجلى فيها في النوم كحقيقة غلام أو رجل أو جارية أو امرأة ونحو ذلك من غير الإنسان أيضا . ثم بعد ذلك ، أي بعد تحققه بصورة ما رأى في النوم وضبطه لوازمها يعبر ذلك الرائي في النوم أي يجاوز عنها ، أي عن صورة ما رأى إلى أمر آخر تناسبه تلك الصورة فتأول رؤياه إليه على أكمل الوجوه بحيث يقتضي ذلك حصول التنزيه للّه تعالى عقلا عن كل ما لا يليق به ، لأنه تعالى نور والنور يكشف عن كل شيء مستور ، ويرجع حسن تلك الصورة أو سوءها إلى حال الرائي وأنه منهمك في الباطل ، وقد استقصينا طرفا واسعا من رؤية اللّه تعالى في النوم في كتابنا تعطير الأنام في تعبير المنام . فإن كان الذي يعبرها ، أي تلك الرؤيا ذا كشف ، أي بصيرة نافذة في الغيب أو ذا إيمان ، أي تصديق وإذعان من غير كشف فلا يجوز ، أي لا

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه بلفظ : « حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب اللّه ورسوله » باب من خص بالعلم قوما دون قوم . . ، حديث رقم ( 127 ) [ 1 / 59 ] .