الشيخ عبد الغني النابلسي
290
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الكتاب هنا حقيقة فيه ، أي في اللّه تعالى على حسب ما ورد عنه سبحانه فلذلك ، أي لكونهما حقيقة لا مجازا قلنا في حقه تعالى بالتشبيه للّه تعالى في التنزيه حيث كان الكلام أنهم نطقوا بما نطقت به رسل اللّه من التجليات في أوهامهم اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فهو تعالى منزه عن كل ما نطقوا به ، لأن اللّه تعالى لم يجعل الرسالة فيهم ، فهو تنزيه اللّه تعالى والتشبيه في ضمنه لمطابقتهم ما نطقت به الرسل عليهم السلام . وقلنا أيضا بالتنزيه للّه تعالى في التشبيه حيث كان الكلام أنهم نطقوا بما نطقوا به ورسل اللّه هم اللّه وهو تشبيه للّه تعالى والتنزيه في ضمنه حيث أثبت الرسل صورا إنسانية مسماة بأسماء معلومة ، فجعلها مبتدأ والمبتدأ غير الخبر ، وإلا لما صح الحمل ولزم تحصيل الحاصل مثل قولك : زيد زيد فلا فائدة فيه . وبعد أن نقول لك يا أيها السالك هذا الكلام فنرخي الستور على وجوه الأسرار ونسدل الحجب على عين المنتقد ، أي المنكر وعين المعتقد ، أي المصدق لئلا تفسد المعاني الصحيحة بالأفهام الفاسدة أو يصعب إدراكها فتوجب وقفه فإن وراء ما ذكر أسرار الاتحاد الروحاني وأنوار الاختلاف الجسماني فلا يسعه إلا العبد الفاني والسر المتداني ، فإن الشريعة مجرد بيان والحقيقة خلاصة عيان ، والكل ثابت فلا يتغير بما هو يكون وما هو كائن وما كان لأنه نفس الأمر في وعائي الزمان والمكان وإن كانا ، أي المنتقد والمعتقد أيضا اللذين نسبة الحقائق عليهما من بعض صور ما تجلى ، أي انكشف فيها الحق تعالى لأهل الكمال . * * * ولكن قد أمرنا بالسّتر ليظهر تفاضل استعداد الصّور ، فإنّ المتجلّي في صورة بحكم استعداد تلك الصّورة ، فينسب إليه ما تعطيه حقيقتها ولوازمها ولا بدّ من ذلك . مثل من يرى الحقّ في النّوم ولا ينكر هذا وأنّه لا شكّ الحقّ عينه فتتبعه لوازم تلك الصّورة وحقائقها الّتي تجلّى فيها في النّوم ، ثمّ بعد ذلك يعبّر أي يجاز عنها إلى أمر آخر يقتضي التّنزيه عقلا . فإن كان الّذي يعبّرها ذا كشف أو إيمان ، فلا يجوز عنها إلى تنزية فقط ، بل يعطيها حقّها من التّنزيه وممّا ظهرت فيه . فاللّه على التّحقيق عبارة لمن فهم الإشارة .