الشيخ عبد الغني النابلسي
267
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
من آلام ، أي أوجاع الدار الآخرة التي لا تفتر ، أي لا تضعف تلك الآلام عمن قامت به من العصاة أو الكافرين في نار جهنم ، فإن هذه البلايا المذكورة لا تمنع حصول السعادة الأبدية لكل من وسعته الرحمة منهم ، والبلاء لا ينقص مراتب السعداء بل هو مما يرفعها . * * * فاعلم أوّلا أنّ الرّحمة إنّما هي في الإيجاد عامّة . فبالرّحمة بالآلام أوجد الآلام . ثمّ إنّ الرّحمة لها الأثر بوجهين : أثر بالذّات وهو إيجادها كلّ عين موجودة . ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض ؛ ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم : فإنّها ناظرة في عين كلّ موجود قبل وجوده ، بل تنظره في عين ثبوته . ولهذا رأت الحقّ المخلوق في الاعتقادات عينا ثابتة في العيون الثّابتة فرحمته بنفسها بالإيجاد . واعلم يا أيها السالك أوّلا أن الرحمة ، أي رحمة اللّه تعالى الواسعة لكل شيء إنما هي في شأن الإيجاد ، أي التكوين من العدم في كل شيء مطلقا حيث كانت رحمة عامة لا خاصة فبالرحمة الإلهية بالآلام ، أي الأوجاع الدنيوية والأخروية لأنها أشياء فهي مرحومة بالرحمة الواسعة لكل شيء أوجد الحق سبحانه جميع الآلام المذكورة في الدنيا والآخرة . ثم إن الرحمة الإلهية لها الأثر في كل من أثرت فيه بوجهين الأوّل أثر بالذات ، أي باعتبار اقتضاء ذات كل شيء في حال ثبوته وهو معدوم تأثيرها فيه وهو ، أي هذا الأمر الذاتي إيجادها ، أي الرحمة كل عين موجودة في الحس أو العقل أو الوهم ولا تنظر يا أيها السالك إلى غرض لها في شيء تنفعه أو تضره ولا إلى عدم الغرض أيضا ولا إلى أمر ملائم لأمر آخر ولا إلى أمر غير ملائم لأمر آخر أيضا فإنها ، أي الرحمة ناظرة في عين كل شيء موجود مطلقا قبل وجوده ، أي ذلك الموجود بل تنظره في عين ثبوته في العلم الإلهي وهو معدوم بالعدم الأصلي ويلزم من نظرها إليه ورؤيتها له إفاضة نور وجودها عليه وظهوره موجودا بها . ولهذا ، أي لكون الأمر كذلك رأت ، أي تلك الرحمة الإلهية الحق ، أي الصورة في الخيال التي تسمى عند العبد الجاهل والعارف الحق المخلوق في