الشيخ عبد الغني النابلسي

262

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

باعتبار إضافة الوجود عليها بالمتجلي الحق سبحانه ، فكما تظهر تلك الأعيان الثابتة بالمتجلي الحق تظهر أيضا تلك النسب الذاتية بالمتجلى الحق ، فتشترك مع الأعيان في الظهور بالتجلي ، فتسمى أشياء بهذا الاعتبار وتدخل تحت قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ومعنى الهلاك عدم الاستقلال فيها والنسب ليست مستقلة إذ هي أسماء الذات الإلهية فهي هالكة بهذا الاعتبار ، أي فانية في الذات الأحدية لأوجه تلك الذات الأحدية ، وكذلك قوله سبحانه : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ [ البقرة : 115 ] ، أي ذاته سبحانه الواحدة الأحدية المتجلية بالنسب والآثار في كل شيء وهي ، أي الأسماء الإلهية ترجع في نفس الأمر إلى عين ، أي ذات واحدة هي موضع نسبها واعتباراتها وإضافاتها وهي الذات الإلهية والوجود الواحد المطلق الساري بلا سريان في الأعيان كلها الأسمائية والكونية ، وهي عين الكل إذا فنيت جميع النسب الأسمائية ونسب النسب الإمكانية الكونية . فأول ما وسعته رحمة اللّه تعالى وسعت شيئية تلك العين الواحدة المذكورة ، وهذا الوسع وهو الانقسام الواقع في الرحمة فالجزء من الرحمة ، الذي في الدنيا هو هذه العين الواحدة المشار إليها هنا كما سبق بيانه ، ولهذا من فاته التحقيق بها اليوم فاتته بقية الأجزاء التسعة والتسعون في يوم القيامة أن يتحقق بها ، ومن تحقق بها اليوم تحقق بالبقية غدا . وهذا الجزء الذي في الدنيا هو المقصود في الكل لأنه عين الذات ، ولهذا كثرت الغفلة في الدنيا من الجاهلين بهذا الجزء ، والغفلة عين اليقظة له ولكونه جزءا لا يتجزأ لكون معرفته عينه ، وهم يريدون أن تكون غيره وهو ممتنع عقلا وشرعا وهم لا يشعرون من كثرة ما يشعرون ، فلو قل شعورهم بالأغيار لتنبهوا لحقيقة هذا الواحد القهار الموجدة تلك العين أي المظهرة المفصلة للرحمة الواسعة لها بالرحمة المذكورة فأوّل شيء وسعته الرحمة الإلهية أنها وسعت نفسها ثمّ وسعت الشيئية التي لتلك العين الواحدة المذكورة المشار إليها هنا قريبا بأنها مرجع الكل وأنها هي المنفصلة المتكثرة إلى شيئيات تلك الأسماء الإلهية ثم وسعت شيئية كل موجود من الحوادث الكونية مما يوجد في الحس أو العقل أو الوهم إلى ما لا يتناهى دنيا ، أي في الدنيا وآخرة ، أي في الآخرة وعرضا بالتحريك وهو ما لا قيام له بنفسه ظاهرا وجوهرا وهو ما قام ظاهرا بنفسه ومركبا وبسيطا ، أي غير مركب وكله دخل تحت قولنا في الحس والعقل أو الوهم ولا يعتبر فيها ، أي في الرحمة الإلهية الواسعة لما ذكر حصول غرض لأحد ممن وسعته مطلقا ولا ملاءمة طبع من الطباع أصلا بل الشيء الملائم كالنعيم واللذة وغير الملائم كالألم والعذاب