الشيخ عبد الغني النابلسي
261
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عن ولدها شفقة عليه ورحمة به أن تدوسه ، وتتفصل الأجزاء الباقية في يوم القيامة فيرحم اللّه تعالى بها عباده ، ويقوم الميزان بالقسط ، ولا تظلم نفس شيئا لظهور العدل الإلهي في ذلك اليوم ، وتتخلق العارفون بتلك الأجزاء كلها . روى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « جعل اللّه الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعا وتسعين جزءا ، وأنزل إلى الأرض جزءا واحدا ، فيه يتراحم الخلق حتى أن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تدوسه » « 1 » . وفي رواية الحسن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن للّه تعالى مائة رحمة أهبط منها رحمة إلى أهل الدنيا فوسعتهم إلى آجالهم وأن اللّه تعالى قابض تلك الرحمة يوم القيامة إلى التسعة والتسعين فيكملها مائة رحمة لأوليائه وأهل طاعته » « 2 » . ولما كان لكل عين من الأعيان الأسمائية التي هي مجرد نسب ورتب في الذات الأحدية والأعيان الأثرية التي هي صور تجليات تلك النسب والرتب الاسمائية وجود يليق ظهوره بحسب تلك العين يطلبه ، أي كل عين يطلب وجوده المقيد من حضرة وجود اللّه تعالى المطلق القيوم على الكل اتصافا في الأعيان الأسمائية وتأثيرا في الأعيان الكونية لذلك ، أي لأجل كون الأمر كذلك عمت رحمته سبحانه كل عين مما ذكرنا فإنه سبحانه وتعالى برحمته ، أي بسبب رحمته التي رحمه ، أي رحم كل عين بها قبل تعالى رغبته ، أي رغبة كل عين وطلبه ودعاءه بلسان افتقاره واستعداده في وجود عينه ، أي ذاته له فأوجدها ، أي تلك العين الراغبة في وجودها لشرف الوجود وكمال الاتصاف به فإنه حلة القديم سبحانه . فلذلك قلنا إن رحمة اللّه تعالى وسعت كل شيء قديم أو حادث وجودا وحكما ولا شك أن الأسماء الإلهية القديمة الأزلية من جملة الأشياء لأنها مجرد نسب واعتبارات وإضافات بين ذات الحق تعالى وبين ما أقامه بها من الأعيان الكونية قبل وجودها الثابتة في عدمها الأصلي ، فإذا استفادت تلك الأعيان الثابتة صفة الوجود من تلك النسب الذاتية ، كانت الإضافة من الذات الإلهية بواسطة تلك النسب ، فتتبين تلك النسب المذكورة لا أنها تحدث لأنها قديمة بقدم الذات الإلهية ، إذ هي نسب الذات واعتباراتها وإضافاتها ، وإنما الذي يحدث تلك الأعيان الثابتة
--> ( 1 ) أورده المناوي في فيض القدير ، فصل في المحلى بأل [ 4 / 54 ] وعزاه إلى البخاري في الأدب المفرد . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 185 ) [ 1 / 123 ] ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 10680 ) [ 2 / 514 ] ورواه غيرهما .