الشيخ عبد الغني النابلسي
26
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
اللّه تعالى فيهم إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ) [ البقرة : 166 ] ، بالبناء للمفعول ، أي اتبعهم غيرهم وهم الأئمة المتبوعون في أنظارهم الفكرية وأدلتهم العقلية على حسب ما استحسنوه واستقبحوه من الاعتقادات وغيرها ( مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) ، أي اتبعوهم وهم التابعون لهم في ذلك ( والرسل ) عليهم السلام ( لا يتبرؤون من أتباعهم الذين اتبعوهم ) فيما جاؤوا به من الحق على المعنى الذي يعلمه اللّه تعالى وتعلمه رسله من ذلك فتعين أن يكون المراد غيرهم من الأئمة المتبوعين وهذا كله حكم مقلدة أصحاب الأفكار والمتأوّلين الأخبار كما مر . وأما أصحاب الأفكار نفسهم المتأوّلون للأخبار بالأدلة العقلية ، فهم أهل النظر العقلي ، وهم مجتهدون في الاعتقاد والمجتهد مؤمن بما أدى إليه اجتهاده ، فإن كان مخطئا كان خطؤه مردودا عليه ، وإن أصاب يثاب ولكنه غير عارف باللّه تعالى بل عارف بوجود اللّه تعالى والعلم بوجود اللّه غير العلم باللّه ، لأنه عالم بوجود ذات قديمة مطلقة عما لا يليق بها متصفة بصفات الكمال ، وهذه حالة خيالية مقتضية للغفلة والحجاب ، والعالم باللّه كاشف بذوقه وإحساسه عن الوجود القديم المطلق المتصف بصفات الكمال ، المتجلي بتجليات الجلال والجمال ، وهذه حالة ذوقية كشفية حسية لا خيالية ( فحقق يا وليي ) ، أي صديقي ( ما ذكرته لك ) هنا ( في هذه الحكمة القلبية ) ، أي المنسوبة إلى القلب واعرف وجه نسبتها إلى القلب بما تبين لك في الكلام السابق . ( وأما اختصاصها ) ، أي هذه الحكمة ( بشعيب عليه السلام فلما فيها ) ، أي في هذه الحكمة ( من الشعب ) جمع شعبة وهي الفرقة من الشيء والقطعة منه ( أي شعبها ) كثيرة ( لا تنحصر ) بالعد ( لأن كل اعتقاد ) يعتقده القلب ( شعبة ) من القلب تتشعب بالأفكار المختلفة ( فهي ) ، أي هذه الحكمة ( شعب كلها أعني ) بالشعب كلها ( الاعتقادات ) المختلفة باختلاف المعتقدين . * * * فإذا انكشف الغطاء انكشف لكلّ أحد بحسب معتقده وقد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم ، وهو قوله : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] فأكثرها في الحكم كالمعتزليّ يعتقد في اللّه نفوذ الوعيد في العاصي إذا مات على غير توبة فإذا مات وكان مرحوما عند اللّه قد سبقت له عناية بأنّه لا يعاقب ، وجد اللّه غفورا رحيما ، فبدا له من اللّه ما لم يكن يحتسبه . وأمّا في الهويّة فإنّ بعض العباد يجزم في اعتقاده أنّ اللّه كذا وكذا ، فإذا