الشيخ عبد الغني النابلسي
242
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
البصر من تلك العيون متصل به ، أي بذلك المشهود من حيث شهوده ، أي البصر لذلك المشهود وهو الاتصال المعنوي الروحاني الأصلي ، إذ جميع الأشياء في الأصل الأوّل وهو العلم الإلهي واحدة لا كثرة فيها ، وكذلك في الأصل الروحاني الطبيعي والعنصري ثم تفترق بالتولد وتظهر فيها صورة الأصول فإذا أدركت بعضها بعضا إنما تدركه بصورة تلك الأصول التي فيها . فلو لا ذلك الاتصال لم يشهده ولهذا انفصل عنه بالصورة المتولدة من الأصول المذكورة فغابت عنها الصورة الأخرى أو يتصل ذلك الشيء المشهود بالبصر من حيث اتصاله الأصلي كما ذكرناه فيشهده البصر كيف كان الأمر في نفسه فهو قريب روحاني بين البصر والمبصر بصيغة اسم المفعول ؛ ولهذا ، أي ما ذكر من القرب كنى أيوب عليه السلام في المس ، أي أصابته بالسوء فأضافه ، أي المس يعني نسبه إلى الشيطان حين قال : مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ ص : 41 ] مع قرب المس حين هو مشهود له دون قرب الشيطان ، لأنه لم يشهده لانفصاله عنه بحقيقة أخرى سرت في حقيقته عليه السلام الجسمانية من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » وقدمنا بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام منه من أي وجه هي فاقتضى سريانها فيه ما أصاب من النصب والعذاب بتقدير اللّه تعالى فقال ، أي أيوب عليه السلام في تقرير معنى كلامه البعيد مني بحيث لم أشهده قريب إلي لحكمة ، أي إظهاره فيّ ، أي في جسدي أثره المؤلم من النصب والعذاب جزاء على عدم شهودي له كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) [ الزخرف : 36 ] وهذا حكم عام لا خصوص له فيشمل المعصوم وغير المعصوم وأما قوله بعد ذلك : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 37 ] ، فهو حال الالتباس وذلك مخصوص بغير المعصوم من الناس ولهذا غير اللّه نظام الآية بالجمع بين صيغة الإفراد . * * * وقد علمت أنّ القرب والبعد أمران إضافيان ، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامها في القريب والبعيد . واعلم أنّ سرّ اللّه في أيّوب الّذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاليّا تقرؤه
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق بن راهويه ، ما يروى عن صفية . . ، حديث رقم ( 8 - 2082 ) [ 4 / 258 ] والديلمي في الفردوس عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 3684 ) [ 2 / 378 ] ورواه غيرهما .